وَكَانَ أَبُو يَعْقُوبَ الْبُوَيْطِيُّ صَاحِبُ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ مِمَّنِ امْتُحِنَ فَصَبَرَ كَذَلِكَ وَلَمْ يُجِبْ إِلَى مَا طَلَبُوهُ مِنْهُ فِي فِتْنَةِ الْقَوْل بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، لَمَّا وُشِيَ بِهِ. وَقَدْ قَال لَهُ أَمِيرُ مِصْرَ الَّذِي كُلِّفَ بِمِحْنَتِهِ: قُل فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكَ. قَال: إِنَّهُ يَقْتَدِي بِي مِائَةُ أَلْفٍ وَلاَ يَدْرُونَ مَا الْمَعْنَى. وَقَدْ أَمَرَ بِحَمْلِهِ مِنْ مِصْرَ إِلَى بَغْدَادَ فِي الْحَدِيدِ، وَمَاتَ فِي السِّجْنِ بِبَغْدَادَ فِي الْقَيْدِ وَالْغُل رَحِمَهُ اللَّهُ. [1]
وَكَانَ لِثَبَاتِ أَحْمَدَ وَالْبُوَيْطِيِّ وَمَنْ مَعَهُمَا أَثَرُهُ فِي تَرَاجُعِ الْخِلاَفَةِ عَنْ ذَلِكَ الْمَنْهَجِ، وَانْكَسَرَتْ بِسَبَبِ ذَلِكَ شَوْكَةُ الْمُعْتَزِلَةِ.
وَلَيْسَ لِلْعَالِمِ أَنْ يَنْطِقَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَهُوَ يَعْلَمُ، وَلاَ رُخْصَةَ لَهُ فِي ذَلِكَ عَلَى سَبِيل التَّقِيَّةِ مُطْلَقًا، إِنْ كَانَ السُّكُوتُ كَافِيًا لِنَجَاتِهِ، لِعَدَمِ تَحَقُّقِ شَرْطِ جَوَازِ التَّقِيَّةِ حِينَئِذٍ.
وَفِي ذَلِكَ مِنَ الْمَحْذُورِ أَيْضًا الْخَوْفُ مِنْ أَنْ يَخْفَى الْحَقُّ عَلَى الْجَاهِلِينَ أَوْ يَضْعُفَ إِيمَانُهُمْ وَيَحْجُمُوا عَنْ نَصْرِ حَقِّهِمُ اقْتِدَاءً بِمَنْ أَجَابَ تَقِيَّةً فَيَظُنُّوا جَوَابَهُ هُوَ الْجَوَابُ، وَهُمْ غَافِلُونَ عَنْ مُرَادِهِ وَأَنَّهُ قَصَدَ التَّقِيَّةَ.
(1) - طبقات الشافعية للسبكي 1/ 276،277 بيروت، دار المعرفة بالتصويري عن الطبعة المصرية القديمة.