58 - (الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ) : أحصَنَ ألفَ امرَأة.
(وَالْوَقَارِ، وَالسَّكِينَةِ) : قيل: هُما بمعنًى واحِد، وجَمَعَهُمَا تأكيدًا، قال النُّوويُّ: (والظاهرُ أنَّ بينهُما فَرْقًا؛ وهو أنَّ السكينَة: التَّأَنِّي في الحرَكَات واجْتِنَابُ العَبَثِ، والوَقار: في الهَيئةِ، وغَضُّ البَصَرِ، وغَضُّ الصوتِ، والإقبال على طَرِيْقِهِ بغيرِ الْتِفَاتٍ، ونحو ذلك) .
(حَتَّى يَأْتِيَكُمْ أَمِيرٌ) : إن قلت: مُقْتَضَى لفظ (حَتَّى) ألَّا يكونَ بعد إِتيَانِ الأميرِ الاتِّقَاءُ والوَقَار والسكُون؛ لأنَّ حُكْمَ ما بعدَها خلافُ ما قَبْلَهَا.
قلت: لا نُسَلِّمُ أنَّ حُكْمَهُ خِلافُ ما قَبْلَهُ، سَلَّمْنَا؛ لكنَّه غايةٌ إلى الأَمْر بالاتِّقاءِ لِلأُمُورِ الثلاثَةِ، أو غايةٌ للوَقَارِ والسكُونِ، لا للاتِّقَاءِ، أو غايةٌ للثلاثِ، وبعد الغَايَة يعني: عند إتيانِ الأميرِ يَلْزَمُ ذلك بطريقِ الأَوْلَى، وهذا مبنيٌّ على قاعدةٍ أُصُوليَّةٍ؛ وهي: أنَّ شَرْطَ اعتبارِ مَفهومِ المُخَالفة فِقْدَانُ مَفهومِ المُخالَفَة، وإذا اجْتَمَعَا؛ يُقَدَّم المَفْهُومُ [المُوَافِقُ] على المُخَالِفِ.
ص 85
(فَإِنَّهُ كَانَ يُحِبُّ الْعَفْوَ) : جَعَلَ الوَسيلة إلى عَفْوِ اللهِ تعالى بالدعاءِ بأغلبِ خِلَالِ الخير عليه، وما كان يُحِبُّهُ في حالِ حيَاتهِ مِنَ العَفْوِ عمَّن أَذْنَبَ إليه، وكذلك يُجْزَى كُلُّ أَحَدٍ يوم القيامة بأحسَنِ خُلُقِهِ وعَمَلِهِ في الدنيا.
خاتمة: مَعنى الحَديث: عِمَادُ الدِّين وقِوَامُهُ النَّصِيحَة؛ كقوله: «الحَجُّ عَرَفَة» ، وإنَّما استُفْضِلَتْ؛ لأنَّها مِن بابِ المُضَافِ، فقال: «للهِ وَلِكَتَابِهِ» ، فَجعلَها شائعةً في كلِّ سَهْمٍ مِن سِهَامِ الدِّين، وفي كلِّ طَبَقَةٍ مِن طِبَاقِ أَهْلِهِ.
فَـ «النصيحَة للهِ» : معناهَا: الإيمانُ به، ونَفْيُ الشركِ عنه، وتركُ الإلحادِ في صِفَاته، وَوَصْفُهُ بصِفَات الكَمَال ... إلى غيرِ ذلك، وحقيقةُ هذه الإضَافَة راجِعةٌ إلى العَبْد في نُصْحِهِ نَفْسَهُ، فاللهُ تعالى غنيٌّ عن نُصْحِ الناصحِين وعنِ العَالَمِين.
و «لِكِتَابِهِ» : الإيمانُ به بأنَّه كلامُ اللهِ تعالى وتنزيلُه، لا يُشْبِهُهُ شيءٌ مِن كَلَامِ الخَلْقِ ... ، إلى غيرِ ذلك.
و «لِرَسُولِهِ» : تَصْديقُهُ في إِرساله، وقَبولُ ما جاءَ به ... إلى غير ذلك.
و «لِلْأَئِمَّةِ» : بَذْلُ الطاعَةِ لهم في المَعروفِ، والصَّلاةُ خَلْفَهُم، وجِهَادُ الكفَّارِ ... ، إلى غير ذلك.
و «لِعَامَّةِ المُسْلِمِينَ» : تعليمُهُم مَا يَجْهَلُونَهُ، وإرشادُهُم إلى مصَاَلِحِهِم، وأَمْرُهُم بالمعروفِ، ونَهْيُهُم عن المُنْكَرِ، والشَّفَقَةُ عليهم، وتَوْقِيرُ كبيرِهم، ورَحمةُ صَغِيرهِم ... ، إلى غيرِ ذلك.