فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 415

53 - (عَنْ أَبِي جَمْرَةَ) ؛ بالجيم والراء: نصر بن عمران الضُّبَعيِّ، ووقع في نسخة أبي ذرٍّ عن الهيثم؛ بالحاء والزاي، وذلك وهمٌ.

إشارة: هذا الحديث أخرجه البخاريُّ في عشرة مواضع [خ¦87] ، [خ¦523] ، [خ¦1398] ، [خ¦3095] ، [خ¦3510] ، [خ¦4368] [خ¦4369] ، [خ¦6176] ، [خ¦7266] ، [خ¦7556] .

(كُنْتُ أَقْعُدُ) : (كنت) : للماضي، و (أقعد) : للحال أو الاستقبال، لكنَّ (أقعد) هنا حكايةٌ عن الحال الماضية؛ فهو ماضٍ، وذُكِر بلفظ الحال؛ استحضارًا لتلك الصورة، وهذا زمن ولايته البصرة من قِبَل عليٍّ، وفي «البخاريِّ» في كتاب (العلم) [خ¦87] : (كنت أترجم بين ابن عبَّاس والناس) ، وفي «مسلم» : (كنت أترجم بين يدي ابن عبَّاس وبين الناس) [ (24) (17) ] ، قيل: إنَّ لفظة (يدَي) زائدةٌ؛ لتتَّفق الروايات، وقيل: التقدير بينه وبين الناس، و (الترجمة) : التعبير بلغةٍ عن لغةٍ لمن لا يفهم، وقيل: كان يتكلَّم بالفارسيَّة، وكان يترجم لابن عبَّاس عمَّن تكلَّم بها، قال ابن الصلاح: (وعندي أنَّه كان يترجم عن ابن عبَّاس إلى من خفي عليه من الناس؛ لزحام أوِ اختصار يمنع من فهمه، وليستِ الترجمةُ مخصوصةً بتفسير لغةٍ بأخرى، فقد أطلقوا على قولهم:(باب كذا .. ) اسمَ الترجمة؛ لكونه يعبِّر عمَّا يذكره)، قال النوويُّ: والظاهر أنَّه يفهمهم عنه، ويفهمه عنهم، وفي لفظ: (فجاءته امرأة فسألته عن نبيذ الجرِّ؛ فقال: ... ) ؛ الحديث.

(فيُجْلِسُنِي) : عطفٌ على (أقعد) ، والإجلاس قبل القعود، وقد جاء بالفاء التعقيبيَّة، لكنَّ الإجلاس على السرير بعد القعود.

(مَعَهُ) : أبلغُ في المصاحبة من (عنده) .

(أَوْ مَنِ الْوَفْدُ؟) : الظاهر أنَّ الشكَّ من ابن عبَّاس، و (الوفد) : الجماعة المختارة من القوم

ليتقدَّموهم في لقيِّ العلماء، والمصير إليهم في المهمَّات، واحدهم: وافد.

(وَلَا نَدَامَى) : الندامى: جمع (ندمان) ؛ بمعنى: نادم، وهي لغة في نادم، وعلى هذا هو على بابه، وقيل: جمع نادم؛ إتباعًا للخزايا، وكان الأصل نادمين، فأُتبِع لـ (خزايا) ؛ تحسينًا للكلام؛ كما يُقال: (لا دريت ولا تليت) ، والقياس: (تلوت) .

(فِي شَهْرِ الْحَرَامِ) : أي: شهر الوقت الحرام.

(وَأَنْ تُعْطُوا) : إن قلت:

ص 82

لمَ عدل عن لفظ المصدر الصريح إلى ما في معنى المصدر؛ وهي (أن) مع الفعل المضارع؟

قلت: إشعارًا بمعنى التجدُّد الذي للفعل؛ لأنَّ سائر الأركان كانت ثابتةً قبل ذلك؛ بخلاف إعطاء الخمس فإنَّ فريضته كانت متجدِّدةً.

إشارة: المراد إطلاق المحلِّ؛ أي: ما في الحنتم، والقرينة ظاهرة، وقال الطيبيُّ: ( «عن الأشربة» ؛ أي: عن ظروف الأشربة، محذوف المضاف، أو عن الأشربة التي تكون في الأواني المختلفة، محذوفة الصفة) .

و (الْحَنْتَمِ) : الجِرَار الخضر، وقيل: الأبيض والأخضر، وهو ما طُلِي بالحنتم المعلوم من الزجاج وغيره، وقيل: هو الفخَّار كلُّه، وقيل: الخضر في تفسير أبي هريرة (السود) بالزفت، قال الحربيُّ: وهي جرار مزفَّتة، وقيل: هي جرار تُحمَل فيها الخمر من مصر أو الشام، وقيل: هي جرار مصراة بالجمر، وقيل: هي جرار تُعمَل من طين قد عُجِن بشعر ودم، وهو قول عطاء، فنُهِي عنها؛ لنجاستها.

و (الدُّبَّاء) : بضمِّ الدال المهملة وقد تُكسَر وبالمدِّ، وحُكِي في (الدُّبَّاء) القصرُ: القرع.

و (النَّقِير) : النخلة تُنقَر؛ أي: يُحفَر في جوفها أو جنبها ويُلقَى فيها الماء والتمر للانتباذ.

و (المُقَيَّر) : هو المزفَّت المذكور قبله، وهو المطليُّ بالقار؛ وهو الزفت، وقيل: الزفت نوعٌ من القار.

واعلم أنَّ هذا النهيَ نُسِخ بحديث مسلم: «كنت نهيتكم عن الانتباذ في الأسقية فانتبذوا في كلِّ وعاء، ولا تشربوا مسكرًا» ، وهذا مذهب الشافعيِّ، وذهبت طائفة إلى أنَّ النهيَ باقٍ؛ منهم: مالكٌ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وهو مرويٌّ عن عمرَ وابن عبَّاس، وذُكِر عن عمرَ بن عبد العزيز.

خاتمة: قال البيضاويُّ: الظاهر أنَّ الأمورَ الخمسة تفسيرٌ للإيمان، وهو أحد الأمور الأربعة المأمور بها، والثلاثة الباقية حَذَفَها الراوي؛ نسيانًا أو اختصارًا، ويحتمل أن يُقال: أمرهم بالإيمان بعد الشهادة، و (إقام) : خبر مبتدأ محذوف، وفي الكلام تقديمٌ وتأخيرٌ؛ أي: أمرهم بالإيمان ... إلى آخره، ثمَّ أمرهم عقيبه بأربع، ونهاهم عن أمرهم والمأمورات الأربع: (إقام الصلاة ... ) إلى آخره، وقال بعض المتأخِّرين من القادمين إلى حلب: إن قيل: لو قُرِئ (وإقامِ الصلاة) وما بعده بالجرِّ على أنَّه معطوفٌ على الإيمان؛ فيكون المجموعُ خمسةً، وقد قال: (أمرهم بأربع) ، وإن قُرِئ بالرفع على أنَّه معطوفٌ على الشهادة؛ يكون الجميع من الإيمان، فأين الثلاثة؟

قلت: أُجيب: أنَّ الرسول عليه السلام أمرهم بالإيمان، ثمَّ فسَّر الإيمان بخمسة أشياء، وواحد منها _ وهي الشهادة _ ليس ممَّا يأمرهم به؛ لأنَّهم كانوا مسلمين؛ بدليل أنَّه رحَّب بهم، وفسَّرهم أنَّهم غير خزايا ولا ندامى، وأنَّهم خاطبوا الرسول عليه السلام بما فيه الشهادة بالرسالة، غير أنَّ الراوي قال: (أمرهم بأربع) ، ثمَّ قال: (أمرهم بالإيمان بالله تعالى) ، وذكر الخمس في تفسير الإيمان؛ لعدم الالتباس بأنَّ الشهادة ليست ممَّا أمرهم بها، بل أمرهم بالخصال التي ذُكِرت بعدها؛ ليتلقَّوا بالقبول، ويبذلوا جهدهم في القيام بهنَّ، فلا يجوز في (إقام الصلاة) وما بعدها إلَّا الرفع؛ عطفًا على الشهادة.

فإن قيل:

ص 83

لو كانوا مسلمين؛ لم يقولوا: (الله ورسوله أعلم) في السؤال عن الإيمان.

أُجيب: بأنَّهم قالوا ذلك؛ تأدُّبًا بين يديه، وطلبًا لسماع الكلمتين منه، انتهى

ويُجاب أيضًا: بأنَّه أمرهم بالأربع التي وعدهم، ثمَّ زاد خامسةً؛ وهي أداء الخمس؛ لأنَّهم كانوا مجاورين كفَّارَ مضر، وكانوا أهلَ جهاد، ويكون قوله: «وأن تعطوا من المغنم الخمس» معطوفًا على (أربع) ؛ أي: أمرهم بأربع، وبـ (أن يعطوا) ، والشهادتان في حكم واحد.

وجواب ثانٍ: وهو أنَّ أوَّلَ الأربع إقامُ الصلاة، وذكر كلمة التوحيد؛ لأنَّها الأساس، وقد رواه البخاريُّ في كتاب «الأدب» [خ¦6176] ، وفيه: (أقيموا الصلاة) ، وليس فيه ذكرُ الشهادة، وفي بعض طرقه حذفُ الصوم؛ لعدم الحفظ من بعضهم.

وإنَّما لم يذكرِ الحجَّ؛ قيل: لأنَّه لم يُفرَض إذ ذاك، وفيه نظرٌ؛ لأنَّ هذا كان عام الفتح، والحجُّ فُرِض قبل ذلك، ويحتمل أن يكون معلومًا عندهم من شريعة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، والله تعالى أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت