31 - (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ وَيُونُسُ) : (أيُّوب) : ابن أبي تميمة، و (يونس) : بن عبيد.
(عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ الأَحْنَفِ) : رواه هنا عن الحسن عن الأحنف عن أبي بكرة، ورواه في (الفتن) عن الحسن عن أبي بكرة [خ¦7083] ، وأنكر ابن معين والدارقطنيُّ سماع الحسن من أبي بكرة، قال الدارقطنيُّ: بينهما الأحنف، واحتجَّ بما سلف، وكذا رواه هشام عن المعلَّى بن زياد عن الحسن [خ¦7083] ، وذهب غيرهما إلى صحَّة سماعه منه، كما ساقه في (الفتن) ، واستدلَّ بما أخرجه البخاريُّ أيضًا في (الفتن) [خ¦7109] : (قال الحسن: ولقد سمعت أبا بكرة) ، قال البخاريُّ [خ¦2704] : (قال عليُّ بن المدينيِّ: إنَّما صحَّ عندنا سماعُ الحسن من أبي بكرة بهذا الحديث) ، وقال الباجيُّ: هذا الحسن في هذا الحديث إنَّما هو الحسن بن عليٍّ، وليس بالحسن البصريِّ، وأثنى عليُّ بن المدينيِّ وأبو زرعة على مراسيل الحسن، وضعَّفها بعضهم.
(أَنْصُرُ هَذَا الرَّجُلَ) : إن قلت: السؤال عن المكان، والجواب عن الفعل، فلا تطابقَ بينهما.
قلت: المراد: أريد مكانًا أنصر.
فإن قلت: فلِمَ منع أبو بكرة الأحنف منه، ولم يمتنع بنفسه منه؟
قلت: ذلك أيضًا اجتهاديٌّ، وكان اجتهاده إلى المنع لا الامتناع، فهو أيضًا مُثابٌ في ذلك، قاله الكرمانيُّ، وقال: إنَّ هذا الرجل هو عثمان، والذي في «البخاريِّ» عليٌّ رضي الله عنهما [خ¦7083] .
وقال ابن عبد البرِّ: (إنَّ أبا بكرة اعتزل يوم الجمل ولم يقاتل مع واحد من الفريقين) .
فإن قلت: لفظ (في النار) مشعرةٌ بحقيقة مذهب المعتزلة؛ حيث قالوا بوجوب
ص 53
العقاب للعاصي.
قلت: لا؛ إذ معناه: حقُّهما أن يكونا في النار، وقد يعفو الله عنهما؛ نحو قوله تعالى: {فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم} [النساء:93] ؛ معناه: هذا جزاؤه، وليس بلازمٍ أن يُجازى.
واعلم أنَّ أبا بكرة استدلَّ بهذا على العموم، وليس كذلك، فهذا في غير أصحاب النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فقد قال القرطبيُّ: (قال علماؤنا: بدليل قوله تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ} [الحجرات:9] ) ، وقد أخرج البزَّاز حديث: «إذا اقتتلتم على الدنيا؛ فالقاتل والمقتول في النار» ، ولا بدَّ من الجواب عن حمل أبي بكرة هذا الحديث على العموم، ويظهر في الجواب أن يُفهَم من قول القرطبيِّ: (قال علماؤنا) الإجماع، فيكون حَدَث إجماعٌ بعد أبي بكرة، ويحتمل أنَّه أراد علماء المالكيَّة، فيُنظَر الجواب.
(كَانَ حَرِيصًا) : إن قلت: قالوا في قوله تعالى: {مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة:286] اختيار باب الافتعال؛ للإشعار بأنَّه لا بدَّ في الشرِّ من الأعمال والمعالجة؛ بخلاف الخير فإنَّ بالنيَّة المجرَّدة فيه يُثاب عليه، فما وجه كون المقتول بمجرَّد القصد في النار؟ وقال صلَّى الله عليه وسلَّم: «إنَّ الله تجاوز لأمَّتي ما حدَّثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلَّم» ، وفي الحديث الآخر: «إذا همَّ عبدي بسيِّئة؛ فلا تكتبوها عليه» .
قلت: من عزم على المعصية بقلبه، ووطَّن نفسَه عليها وعَزْمَه؛ ولهذا جاء بلفظ الحرص فيما نحن فيه، ويُحمَل ما وقع في هذه الظواهر وأمثالها على أنَّ ذلك فيما لم يوطِّن نفسه عليها، وإنَّما يرد ذلك بفكر من غير استقرار، ويُسمَّى هذا همًّا، ويُفرَّق بين الهمِّ والعزم، وأنَّ هذا العزم يُكتَب بسيِّئة، فإذا عملها؛ كُتِبت معصيةً ثانية.
إن قلت: لِمَ أدخل الحرص على القتل وهو صغيرة في سلك القتل وهو كبيرة؟
قلت: أدخلهما في سلك واحد في مجرَّد كونهما في النار فقط وإن تفاوتا صغرًا وكبرًا، وعن ذلك قال النوويُّ:(إن قيل: إنَّما سمَّاهما الله تعالى في الآية مؤمنين، وسمَّاهما النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم في الحديث مسلمين حال الالتقاء لا حال القتال وبعده.
فالجواب: دلالة الآية ظاهرة، فإنَّ في قوله: {فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} [الحجرات:10] سمَّاهما الله تعالى أخوين، وأمر بالإصلاح بينهما؛ لأنَّهما عاصيان قبل القتال، وهو من حين سعيا إليه وقصداه، وأمَّا الحديث؛ فمحمولٌ على معنى الآية).
إشارة: الطائفة: الفرقة، وتُطلَق على الواحد، هذا قول الجمهور من أهل اللغة وغيرهم، وقال الزجَّاج: عندي أنَّ أقلَّ الطائفة اثنان، وقد جعل الشافعيُّ في قوله تعالى: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ} [النور:2] : أربعةً، وفي صلاة الخوف: ثلاثةً، وفي قوله تعالى: {مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ} [التوبة:122] : واحدًا فصاعدًا، ومذهب الشافعيِّ أنَّ حضور الطائفة عذاب الزنى مُستحَبٌّ لا واجب، وللناس خلافٌ في قوله تعالى: {عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ} كم هي الطائفة؟ هنا ليس هذا موضعه.
ص 54
خاتمة: أبو بكرة: نُفَيع بن الحارث.