18 -إن قلت: قوله: (لا تشركوا بالله شيئًا) ، (ولا تقتلوا أولادكم) ، قتل غير الأولاد أيضًا منهيٌّ عنه إذا كان بغير حقٍّ، فتخصيصه بالذكر مشعرٌ بأنَّ غيره ليس منهيًّا عنه.
قلت: هذا مفهوم اللقب، وهو مردود على أنَّه لو كان من باب المفهومات المعتبرة المقبولة؛ فلا حكم له ههنا؛ لأنَّ اعتبار جميع المفاهيم إنَّما هو إذا لم يكن جاريًا مجرى الأغلب، وههنا هو كذلك؛ لأنَّهم كانوا يقتلون الأولاد غالبًا؛ خشية الإملاق، فخصَّص الأولاد بالذكر؛ لأنَّ الغالب كان ذلك.
قال الأصفهانيُّ: خصَّ القتل بالأولاد؛ لمعنيين: أحدهما: أنَّ قتلهم هذا أكبر من قتل غيرهم، وهو الوأد، وهو أشنع القتل، وثانيهما: أنَّه قتلٌ وقطيعة رحم، فصرف العناية إليه أكثر.
(وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ) : إن قلت: وصف البهتان بالافتراء، والافتراء والبهتان من وادٍ واحد، وزيد عليه (بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ) ، وهلَّا اقتصر على: ولا تبهتوا الناس.
قلت: معناه مزيد التقرير، وتصوير شناعة هذا الفعل.
فإن قلت: ما معنى إضافته إلى الأيدي والأرجل؟
قلت: معناه لا تأتوا ببهتان من قِبل أنفسكم، واليد والرِّجل: كنايتان عن الذات؛ لأنَّ معظم الأفعال تقع بهما، وقد يُعاقَب الرجل بجناية قوله، فيُقال له: هذا بما كسبت يداك.
أو معناه: لا تنشئوه من ضمائركم؛ لأنَّ المفتريَ إذا أراد اختلاق قول؛ فإنَّه يقدِّره ويقرِّره أوَّلًا في ضميره، ومنشأ ذلك ما بين الأيدي والأرجل من الإنسان، وهو القلب، والأوَّل: كناية عن إلقاء البهتان من تلقاء أنفسهم، والثاني: عن إنشاء البهتان من دخيلة قلوبهم مبنيًّا على الغشِّ المبطَّن.
(وَلَا تَعْصُوا) : هو نحو قوله: {وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ} [الممتحنة:12] ؛ أي: في طاعة الله تعالى، وقيل: في كلِّ برٍّ وتقوى، قال الزجَّاج: (والمعنى: لا يعصينك في جميع ما تأمر به، فإنَّك لا تأمر بغير المعروف) ، قال النوويُّ:(ويحتمل في معنى الحديث: ولا تعصوني ولا أحدًا أُولي عليكم من تباعي إذا أُمِرتم بمعروف، فيكون المعروف عائدًا إلى التباع؛ ولهذا قال: «تعصوا» ، ولم يقل: تعصوني.
ويحتمل أنه أراد نفسه فقط، وقيَّد بالمعروف؛ تطييبًا لنفوسهم؛ لأنَّه لا يأمر بغير المعروف).
فإن قلت: فلم لا# ذكر الإتيان بالواجبات، واقتصر على ترك المنهيَّات؟
قلت: لم يقتصر؛ حيث قال: «ولا تعصوا في معروف» ؛ إذِ العصيان مخالفة الأمر، أو اقتصر؛ لأنَّ هذه المبايعة كانت في أوائل البعثة ولم تُشرَعِ الأفعالُ بعد.
إن قلت: لِمَ قدَّم ترك سائر المنهيَّات على فعل المأمورات؟
قلت: لأنَّ التخلِّيَ عن الرذائل
ص 39
مقدَّمٌ على التحلِّي بالفضائل.
إن قلت: لِمَ ترك سائر المنهيَّات، ولم يقلْ مثلًا: ولا تقربوا مال اليتيم وغير ذلك؟
قلت: إمَّا لأنَّه في ذلك الوقت لم يكن حرامًا، أوِ اكتفى بالبعض؛ ليُقاس الباقي عليه، أو لزيادة الاهتمام بالمذكورات.
(وَفَى) : بالتخفيف والتشديد.
(فَأَجْرُهُ عَلَى الله) : إن قلت: لفظ الأجر مشعرٌ بأنَّ الثواب إنَّما هو مستحقٌّ كما هو مذهب المعتزلة، لا مجرَّد فضل كما هو مذهب أهل السنَّة، وكذا لفظ (على الله) ظاهرٌ في وجوب الأجر والثواب على الله كما هو معتقد أهل الاعتزال القائلين بوجوب الثواب للمطيع.
قلت: أطلق الأجر؛ لأنَّه مشابهٌ للأجر صورةً؛ لترتُّبه عليه ونحوه، ولفظ (على) إنَّما هو للمبالغة في تحقُّق وقوعه كالواجبات، ومحصَّله: أنَّ اللفظين محمولان على خلاف الظاهر؛ لأنَّ الدلائلَ العقليَّة والنصوصَ الشرعيَّة دالَّةٌ على أنَّه فضل، وعلى أنَّه غير واجب على الله تعالى، وآخر الحديث يدلُّ عليه أيضًا؛ إذ قوله: «فَهُوَ إِلَى اللهِ» إشارة إلى أنَّه لا يجب عليه عقاب عاصٍ، وإذا لم يجب عليه هذا؛ لا يجب عليه ثواب مطيع أيضًا؛ إذ لا قائل بالفصل.
(وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا) : إن قلت: ذلك لا يصحُّ في الشرك؛ إذ لا يسقط العذاب في الآخرة عنه بعقوبته عليه في الدنيا بالقتل وغيره، ولا يصير كفَّارةً له، ولا يعفو الله تعالى عنه قطعًا إن مات على الشرك.
قلت: عموم الحديث مخصوص بقوله تعالى: {إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} [النساء:48] وبالإجماع، أو لفظ (ذلك) إشارة إلى غير الشرك بقرينة الستر، فإنَّه يستقيم في الأفعال التي يمكن إظهارها وإخفاؤها، وأمَّا الشرك؛ أيِ: الكفر؛ فهو من الأمور الباطنة، فإنَّه ضدُّ الإيمان؛ وهو التصديق القلبيُّ على الأصحِّ.
قال الطيبيُّ: قالوا: المراد منه المؤمنون خاصَّةً؛ لأنَّه معطوفٌ على قوله: (فمن وفى) وهو خاصٌّ بهم؛ لقوله: (منكم) ، تقديره: ومن أصاب منكم أيُّها المؤمنون من ذلك شيئًا فعُوقِب به في الدنيا؛ أي: أُقيم الحدُّ عليه؛ لم يكن له عقوبةٌ لأجل ذلك في القيامة، وهو ضعيف؛ لأنَّ الفاء في (فمن) لترتيب ما بعدها على ما قبلها، والضمير في (منكم) للعصابة المعهودة، فكيف يُخصَّص الشرك بالغير؟ فالصحيح: أنَّ المرادَ بالشرك: الرياءُ؛ لأنَّه الشرك الخفيُّ، قال تعالى: {وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف:110] ، ويدلُّ عليه تنكير (شيئًا) ؛ أي: شركًا أيًّا ما كان.
وأقول: عُرْف الشارع يقتضي [أنَّ] لفظ الشرك عند الإطلاق يُحمَل على مقابل التوحيد سيَّما في أوائل البعثة وكثرة عبدة الأصنام.
فائدة: قال الطيبيُّ:(في هذا الحديث إشارةٌ إلى أنَّه لا تجوز الشهادة بالجنَّة
ص 40
لأحد بعينه إلَّا مَنْ ورد فيه النصُّ؛ كالعشرة وغيرهم رضي الله تعالى عنهم).
فائدة: في هذا الحديث دلالةٌ لمذهب الأكثرين أنَّ الحدود كفَّاراتٌ لأهلها، ومنهم من توقَّف؛ لحديث أبي هريرة _رواه الحاكم، وقال: على شرطهما، ولم يتعقَّبه الذهبيُّ_ أنَّه عليه السلام قال: «لا أدري الحدود كفَّارات» ، وحديث عبادة أصحُّ إسنادًا.
قال عياض: (ويمكن أن يكون حديث أبي هريرة قبل أن يعلم، ثم أُعلِم) ، وفيه وقفةٌ؛ إذ حديث عبادة ليلة العقبة، وأبو هريرة أسلم في خيبر، أو يُقال: إنَّ حديث أبي هريرة الأوَّل سمعه من صحابيٍّ آخر، وذاك الصحابيُّ متقدِّم الصحبة.
فائدة: حديث «الحدود كفَّارة» كأنَّ هذا إذا تاب؛ لأنَّ مقتضى كلامهم أنَّ ما توقَّف من المعاصي على حدٍّ واستُوفي لا يكفي، بل لا بدَّ معه من التوبة، وبه صرَّح البيهقيُّ في «الشُّعب» ؛ بدليل قوله عليه السلام للسارق حين قُطِعت يده: «تبت إلى الله تعالى؟» ، فقال: (أتوب إلى الله) .
وصرَّح النوويُّ والعبَّاديُّ بأنَّ الاستيفاءَ مُسْقِطٌ للإثم وللطلب في الآخرة، وقضيَّته عدم الاحتياج للتوبة.
والأشبه: التفصيل بين من سلَّم نفسه امتثالًا لأمر الله تعالى، فيكون ذلك توبةً، أو قهرًا؛ فلا يبعد تنزيل الأحاديث على ذلك.