169 - (فِي ذَلِكَ الإِنَاءِ) : إن قلت: لم يتقدم ذكر الإناء؛ فكيف أشير إليه؟
قلت: الوضوء دل عليه؛ إذ الماء لا بدَّ له من إناء.
و (ينبع) : بضمِّ الباء وكسرها، وفي بعضها: (يفور من بين أصابعه) ، وفي أخرى: (يتفجَّر من أصابعه كأمثال العيون) ، وفي أخرى: (سكب ماء في ركوة ووضع أصبعه وسطها غمسها في الماء) .
(حَتَّى تَوَضَّأ مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ) : (حتَّى) ؛ للتدريج، و (من) ؛ للبيان؛ أي: توضأ النَّاس حتَّى توضأ الذين هم آخرهم، وهو كناية عن جميعهم.
إن قلت: الشخص الذي هو آخرهم داخل في هذا الحكم؟
قلت: لمَّا كان السياق يقتضي العموم والمبالغة؛ بجعل (عند) _وإن كان للظرفية الخاصة_ لمطلق الظرفية، حتَّى تكون بمعنى: (في) ، فكأنَّه قال: الذين هم في آخرهم.
وهل دخل أنس في هذا الإخبار حتَّى يكون هو من المتوضئين؟ لا شك أنَّ لفظ: (الناس) عامٌّ، لكنَّ الأصوليون اختلفوا في أن المخاطِب _بكسر الطاء_ داخل في عموم متعلق خطابه أمرًا، أو نهيًا، أو خبرًا، أم لا؟ انتهى
وقال النوويُّ: (من) في (من عند آخرهم) بمعنى: (إلى) ، وهي لغة، وأقول: ورود (من) بمعنى: (إلى) شاذٌّ قلَّما يقع في فصيح الكلام، ثمَّ إنَّ (إلى) لا يجوز أن تدخل على (عند) ، ثمَّ إنَّ ما بعد (إلى) مخالف لما قبلها، فيلزم خروج (من عند آخرهم) عنه، قال الأصفهاني: توضَّؤوا من عند آخرهم؛ أي: توضَّأ كلُّهم حتَّى وصلت النوبة إلى الآخر.
فائدة: هذا اتفق له صلَّى الله عليه وسلم في مواطن متعدِّدة، ففي بعضها: (أُتي بقدح رحراح) ، وفي بعضها: (زجاج) ، وفي بعضها: (جَفْنة) ، وفي بعضها: (ميضأة) ، وفي بعضها: (ركوة) ، وفي بعضها: (مزادة) ، وفي بعضها: (كانوا خمس عشرة مئة) ، وفي بعضها: (ثمانمئة) ، وفي بعضها: (زهاء ثلاثمئة) ، وفي بعضها: (ثمانين) ، وفي بعضها: (سبعين) .
وهذه المعجزة أعظم من تفجُّر الحجر بالماء؛ لأنَّ ذلك من عادة الحجر، وأما من لحم ودم؛ فلم يعهد من غيره عليه السلام.
وفي كيفية هذا النَّبع قولان: أحدهما _ونقله القاضي عن المزني وأكثر العلماء_ أنَّ معناه: أنَّ الماء كان يخرج من نفس أصابعه الشريفة وينبع من ذاتها، ويؤيِّده ما في رواية: (فرأيت الماء ينبع من أصابعه) ، والثاني: أنَّه يحتمل أنَّ الله أكثر الماء في ذاته، فصار يفور من بين أصابعه لا من نفسها.