فهرس الكتاب

الصفحة 211 من 415

150 - (يَعْنِي يَسْتَنْجِي بِهِ) : (يعني) : فاعله أنس، وفاعل (يستنجي) : رسول الله صلى الله عليه وسلم، والظاهر: أن هذا من كلام عطاء، وقال ابن بطال: (الاستنجاء بالماء ليس بالبين في هذا الحديث؛ لأن قوله(يستنجي به) ليس من قول أنس، وإنما هو من قول أبي الوليد الطيالسي، فيحتمل أن يكون الماء لطهوره أو لوضوءه)، قاله الكرماني، وقال الزركشي: قال الإسماعيلي: هو من قول أبي الوليد؛ يعني شيخ البخاري، وقال ابن التين: عن أبي عبد الملك: إنه من قول أبي معاذ الراوي عن أنس، انتهى، وفي «البخاري» بعد هذا من حديث أنس ما يقتضي أن يكون القائل هو أنس، وليس في سنده أبو الوليد، بل هو عن محمد بن بشار، ثم رأيت كلام شيخنا بعد أن ساق روايات قال: وقد بان بهذه الروايات أن حكاية الاستنجاء من قول النبي؛ ففيه الرد على الأصيلي، ثم نقل ما قاله ابن بطال أولًا، وفيه الرد على من زعم أن قوله: (يستنجي بالماء) مدرج من قول عطاء الراوي عن أنس؛ فيكون مرسلًا؛ فلا حجة فيه.

إشارة: قد نسب التعقب المذكور الزركشي إلى الإسماعيلي، وإنما هو الأصيلي، ونسبه الكرماني _كما تقدم_ إلى ابن بطال وأقره، وابن بطال أخذه من الأصيلي.

خاتمة: هذا التبويب مع الحديث رد على ما يوهم كلام بعضهم إلى أن الماء لا يجزئ، قال النووي: وذهب بعض السلف إلى أن الأفضل الحجر، وربما أوهم كلام بعضهم أن الماء لا يجزئ، وقال ابن حبيب المالكي: لا يجزئ الحجر إلا لمن عدم الماء، وهذا خلاف ما عليه العلماء من السلف والخلف وخلاف ظواهر السنن المتظاهرة، وقال ابن الملقن في حديث ابن عباس: (فوضعت له وضوءًا) ، فيه من الفوائد: جواز الاستنجاء بالماء؛ فإن من المعلوم أن وضع الماء عند الخلاء إنما هو للاستنجاء به عند الحدث، وهو راد على من أنكر الاستنجاء به وقال: إنما ذلك وضوء النساء، وقال: إنما كانوا يتمسحون بالحجارة، ونقل ابن التين في «شرحه» عن مالك: أنه عليه السلام لم يستنج عمره بالماء، وهو عجيب منه، وفي «صحيح ابن حبان» من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: (ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من غائط قط إلا مسَّ ماء) ، وفي «الترمذي» من حديثها أيضًا أنها قالت: (مرن أزواجكن أن يغتسلوا أثر الغائط والبول، فإنه عليه السلام كان يفعله) ، ثم قال: هذا حديث حسن صحيح، وفي «صحيح ابن حبان» من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى حاجته ثم استنجى من تور) ، وفي «كتاب ابن بطال» : (أن مالكًا روى في «موطئه» : عن عمر أنه كان يتوضأ بالماء وضوءًا لما تحت إزاره، قال مالك: يريد الاستنجاء بالماء) ، انتهى كلامه هنا.

وفي «مسند أحمد» : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستنجي بالماء، ورأيت في «ابن ماجه» من حديث عائشة قالت: (ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من غائط قط إلا مسَّ ماء) .

ص 156

وزعم ابن بطال أن حذيفة بن اليمان وسعيد بن المسيب كرها الاستنجاء بالماء، وكان المهاجرون يستحبون الاستنجاء بالأحجار، والأنصار بالماء، وفي «المصنف» أيضًا: عن سعد بن أبي وقاص، وعمر بن الخطاب، وعبد الله بن الزبير، ومجمع بن يزيد، وعروة بن الزبير، والحسن بن أبي الحسن، وعطاء، شيء من ذلك.

وأجيب عن قول سعيد بن المسيب وقد سئل عن الاستنجاء بالماء: (إنه وضوء النساء) : أنه لعل ذلك في مقابلة غلو من أنكر الاستنجاء بالأحجار، وبالغ في إنكاره بهذه الصيغة؛ ليمنعه من الغلو، وحمله ابن نافع على أنه في حق النساء، وأما الرجال؛ فيجمعون بينه وبين الأحجار، وقال القاضي: والعلة عند سعيد كونه وضوء النساء معناه: أن الاستنجاء في حقهن متعذر، قال الخطابي: وزعم بعض المتأخرين أن الماء مطعوم؛ فلهذا كره الاستنجاء به سعيد وموافقوه، وهذا باطل منابذ للأحاديث الصحيحة، وشذ ابن حبيب فقال: لا يجوز الاستنجاء بالأحجار مع وجود الماء، وحكاه القاضي أبو الطيب عن الزيدية والشيعة وغيرهما.

استعمل الشارع الأحجار وأبو هريرة معه: (ومعه إدواة من ماء) ، ومذهب جمهور السلف والخلف والذي أجمع عليه أهل الفتوى من أهل الأمصار: أن الأفضل أن يجمع بين الماء والحجر، فيقدم الحجر أولًا ثم يستعمل الماء، فتخف النجاسة وتقل مباشرتها بيده، ويكون أبلغ في النظافة.

فإن أراد الاقتصار على أحدهما؛ فالماء أفضل؛ لكونه يزيل عين النجاسة وأثرها، والحجر يزيل العين دون الأثر، لكنه معفوٌّ عنه في حق نفسه وتصح الصلاة معه، كسائر النجاسات المعفو عنه.

إشارة: قال الغزالي: (الأفضل أن يجمع بين الماء والحجر) ، ودخل حجارة الذهب والفضة، وجزم الماوردي بالتحريم بالمطبوع منهما، وكذلك حجارة الحرم على الأصح، في «شرح المهذب» : وسقط الفرض بكل ذلك، ثم قال: وفيه نزل {رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا} [التوبة:108] ، قال في «شرح المهذب» : هكذا يقوله أصحابنا وغيرهم في كتب الفقه والتفسير ولا أصل له في كتب الحديث، وكذا قاله الشيخ أبو حامد في «تعليقه» : إن أصحابنا رووه وقال: لا أعرفه، وتبعه ابن الرفعة فقال في «المطلب» : هذا لا يوجد في كتب الحديث، قال ابن الملقن: وهذا كله عجب، فقد أخرجه البزار في «مسنده» ، قال البزار: وهذا الحديث لا نعلم أحدًا رواه عن الزهري إلا محمد بن عبد العزيز، ولا نعلم أحدًا روى عنه إلا ابنه، انتهى، وقال ابن أبي حاتم: إن ثلاثة إخوة ضعفاء: محمد بن عبد العزيز هذا، وعبد الله بن عبد العزيز، وعمران بن عبد العزيز، وليس لهم حديث مستقيم، انتهى

قال ابن الملقن بعد أن أخرجه من عند البزار: وأستبعد ذلك فإنه منهم، لو طعنت فيه أكباد الإبل كان قليلًا، وفي «ابن ماجه» : عن طلحة بن نافع أبي سفيان قال: حدثني أبو أيوب الأنصاري وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك: أن هذه الآية نزلت: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَالله يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} [التوبة:108] ، قال رسول الله صلى [الله عليه وسلم] : «يا معشر الأنصار، قد أثني عليكم في الطهور، فما طهوركم؟» قالوا: نتوضأ للصلاة ونغتسل من الجنابة ونستنجي بالماء، فقال: «هو ذلك، فعليكموه» ، ثم أخرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نزلت في أهل قباء {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَالله يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} قال: «كانوا يستنجون بالماء» .

فائدة: لا تكره الطهارة بماء زمزم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ منه، وقول العباس: (لا أحله لمغتسل، لكن لشارب حِل وبل) محمول على حالة الاحتياج إليه للشرب لكثرتهم، ورأيت في «تاريخ ابن كثير» قال: قال عبد المطلب: (اللَّهُمَّ إني لا أحلها لمغتسل، وهي لشارب حِل وبل) ، وقد ذكره بعض الفقهاء عن العباس، والصحيح أنه عن عبد المطلب نفسه، ثم سيأتي مسندًا عن الأموي في «مغازيه» ؛ يشهد لذلك، ثم سيأتي مسندًا إلى العباس أنه قال ذلك، ثم قال: وكأنهما قالا ذلك في أيامهما على سبيل التبليغ والإعلام بما اشترطه عبد المطلب عند حفره لها، فلا ينافي ذلك ما تقدم، و (حِل) بكسر الحاء، و (بل) : البل: المباح، وقيل: الشفاء، وبعضهم جعله إتباعًا، ويمنع من جواز الإتباع الواو.

ص 157

وأما إزالة النجاسة به؛ فقيل: يحرم _وهو قضية كلام الحاوي وكذا نقله عنه ابن الرفعة_ لأنه يقيت كالطعام؛ لحديث أبي ذر رضي الله عنه في إسلامه، وفي «مسلم» : «إنه طعام طعم» ، وفي «أبي داود الطيالسي» : «وشفاء سقم» ، وقيل: يكره، وبه جزم الروياني في «الحلية» ، وقال الصميري: إنه خلاف الأولى، القول الرابع: أنه كغيره، قال الأذرعي: ولم أره صريحًا لكنه قضية إطلاق الجمهور.

تتمة: الخارج من البدن إن كان ريحًا؛ فلا يستنجى منه، بل قال الجرجاني وغيره: يكره، ونقل ابن المنذر والفوراني وغيرهما إجماع العلماء على أنه لا يجب الاستنجاء من الريح، قال ابن الرفعة: ولم يفرق الأصحاب بين أن يكون المحل رطبًا أو يابسًا، ولو قيل: فيما إذا كان رطوبة في وجوبه خلاف، بناء على أن دخان النجاسة طاهر أو نجس، كما قيل مثله في تنجيس الثوب الذي يصيبه، إذا كان رطبًا لم يبعد، لكن قد يقال في جوابه: إن ذلك لا يزيد على ما يبقى على المحل بعد الاستجمار وذلك معفو عنه، قال الأذرعي: والصواب عدم الوجوب، بل عدم الاستحباب، وقدم بل أطلق نصر الزاهد أن الاستنجاء للريح بدعة، والذي قاله الجرجاني لا شك فيه؛ لأنه تنطع وغلو، ولو كان لما أبداه اعتبار لكان لو تغوط على أرض ونحوها، وساقه أو فخذه أو ثوبه رطب فأصاب بخار الغائط أنه يتنجس بذلك على الأصح؛ بناء على المذكور، ولا أظن أحدًا يقول ذلك أو غيره، فإن كان مما يوجب الغسل كالمني فليس للحجر فيه مدخل، وكذا الحيض في حق الثيب دون البكر، كما نص عليه الشافعي، وإن كان نادرًا كالدم والقيح والمذي، قال الماوردي: والاستحاضة؛ فالأظهر إجزاء الحجر فيه؛ اعتبارًا بالمخرج بغير النظر في كيفية الخارج، وصحح المصنف في «شرح مسلم» في المذي تعين الماء، وهو ظاهر الحديث، وقال الإسنوي: المذي معتاد على المشهور، وما وقع في «الشرح» و «الروضة» من كونه نادرًا خلاف المشهور، وأما الودي؛ فلم يذكره الرافعي وجزم المصنف بأنه نادر، والوجه عده من المعتاد كما جزم به في «البيان» ، وأما المعتاد؛ فانظر كتب الفقه فيه فقد أطلنا الكلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت