9 - (بِضْعٌ) : بكسر الباء، وفي رواية: (بضعة) ، وهذه تحتاج إلى تأويل.
(وَالحْيَاء شُعْبةٌ مِنَ الإِيمَانِ) : إنَّما خصَّ الحياء بالذكر من بين سائر الشُّعَب؛ لأنَّ الحياء الإيمان، فيمنع من ارتكاب جميع المعاصي، فصار الحياء كبيرَ الجَدْوى من بين سائر الشُّعَبِ، قاله السخوميُّ، وإنَّما جُعِل الحياءُ من الإيمان وإن كان غريزةً؛ لأنَّه قد يكون تخلُّقًا واكتسابًا كسائر أعمال البرِّ، وقد يكون غريزةً، ولكنَّ استعماله على قوَّة قانون الشرع يحتاج إلى اكتسابٍ ونيَّةٍ وعلم، فهو من الإيمان لهذا، ولكونه باعثًا على أفعال الخير ومانعًا من المعاصي، ورُبَّ حياءٍ يمنع من الخير ويُجبِن عن قول الحقِّ، وليس بحياءٍ حقيقةً، بل هو عجز وخَوَر، وتسميته حياءً؛ من إطلاق بعض أهل العُرف، أطلقوه مجازًا؛ لشبهه الحقيقيَّ، وإنَّما حقيقته: خُلُقٌ يبعث على اجتناب القبيح ويمنع من التقصير في حقِّ ذي الحقِّ ونحوه.
فائدة: إنَّما كَثُر استعمال لفظَي (السبعة) و (السبعين) ؛ للتكثير؛ لأنَّ السبعة يشتمل على جملة أقسام العدد، فإنَّه ينقسم إلى فرد وزوج، وكلٌّ منهما إلى أوَّل ومُركَّب، فالفرد الأوَّل ثلاثة، والمركَّب خمسة، والزوج الأوَّل اثنان، والمركَّب أربعة، وينقسم أيضًا إلى مُنْطَقٍ كالأربعة، وأصمَّ كالستَّة، وسبعة يشتمل على جميع هذه الأقسام، ثمَّ إنَّه أزيد مبالغةً، فجُعِلت آحادها أعشارًا.
إشارة: قال ابن قرقول: وفي حديث أبي هريرة في كتاب (الإيمان) : (بضعٌ وسبعون) ؛ كذا لأبي أحمد الجرجانيِّ وابن السكن، وهو المعروف الصحيح في سائر الأحاديث، وعند الكافَّة في حديث أبي هريرة: (بضعةٌ وستُّون) ، وعند مسلم في حديث زهير: (بضعٌ وسبعون، أو بضعٌ وستُّون) ، انتهى، ورجَّح عياض رواية: (بضع وسبعين) ، وقال: إنَّها الصواب، وقال ابن الصلاح: (الأشبه ترجيح الأقلِّ؛ لأنَّه المتيقَّن، والشكُّ من سهيل، كما قاله البيهقيُّ) ، وقد رُوِي عن سهيل: (وسبعون) من غير شكٍّ، والله أعلم.
فائدة: ما اشتُهِر أنَّ قبر أبي هريرة بقرب عسقلان لا أصل له، نعم؛ هناك قبر حَيْدرة بن خَيْشنة الصحابيِّ.
فائدة: هذه الترجمة ساقها البخاريُّ؛ للدلالة على إطلاق اسم الإيمان على الأعمال، وأراد به الردَّ على قول المرجئة: إنَّ الإيمان
ص 31
قولٌ بلا عمل، فلا تضرُّ المعصية مع الإيمان، ومقابله قول الخوارج: إنَّها تضرُّ ويكفر بها، وغلتِ المعتزلة فقالت: يُخلَّد بها فاعلُ الكبيرة، ولا يُوصَف بأنَّه مؤمن ولا كافر، لكن يُوصَف بأنَّه فاسق، والحقُّ مذهب الأشعريَّة أنَّه مؤمن وإن عُذِّب، ولا بدَّ من دخول الجنَّة.