فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 77

وغير ذلك من الكفريات العظيمة المتعددة.

فانظر إلى أنهار كفرٍ فُجّرت *** قد صادمت لشريعة الرحمنِ

والأمر يطول لتتبع مثل جرائم هؤلاء الطواغيت الذين يجب جهادهم وقتالهم قبل قتال الصليبيين واليهود. [1]

(1) يقول الشيخ أبو بصير: (من الشبه التي يثيرها وينثرها المرجفون في طريق جهاد طواغيت الحكم والردة .. قولهم بأن الخروج عليهم مؤداه إلى الفتنة .. وإلى سفك الدماء .. وإلى القتل والقتال .. وإلى تعطيل كثير من المصالح .. إلى نهاية قائمة الشكاوى والاعتراضات المعروفة .. !.

فهم ما أن يسمعوا كلمة"الخروج على الحاكم"إلا وتراهم يسارعون إلى التحذير والقول: فتنة .. فتنة .. الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها!!.

وهذه شبهة واهية ساقطة نرد عليها من أوجه:

منها: أن الفتنة الحقيقة تكمن في ترك الجهاد، وفي التنكب عن مجاهدة طواغيت الكفر والردة .. وأن تارك الجهاد المعتذر عنه هو الأولى بالوقوع في الفتنة، كما في الحديث عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( يا جُدّ - جد بن قيس - هل لك في جِلاد بني الأصفر؟ ) )قال جُد: أوتأذن لي يا رسول الله؛ فإني رجل أحب النساء، وإني أخشى إن أنا رأيت بنات بني الأصفر أن أُفتن؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو معرض عنه: (( قد أذنت لك ) )فعند ذلك أنزل الله: {ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا} . السلسلة الصحيحة2988

قلت: هؤلاء وقعوا في الفتنة بعد الاستئذان وبعد أن أذن لهم .. فما يكون القول فيمن يترك الجهاد من غير استئذان .. ومن غير أن يؤذن له .. لا شك أنه أولى في الوقوع في الفتنة!.

ومنها: أن فتنة الكفر والشرك المتمثل في كفر الحاكم ونظامه لا تعلوه فتنة .. وشره لا يعلوه شر .. وضرره لا يعلوه ضرر .. ومصلحة إزالته لا تعلوه مصلحة .. وفي سبيل إزالته يهون كل ضرر، وتهون كل فتنة.

فهو بالنص والإجماع أكبر الكبائر .. وأعظم الذنوب ظلمًا .. وهو الذنب الذي لا يغفره الله تعالى إلا بتوبة صاحبه منه قبل أن يموت .. فإن مات على الشرك أدخل نار جهنم خالدًا فيها أبدًا، كما قال تعالى: {إن الشرك لظلم عظيم} وقال تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} .

ومن أجل استئصاله شرع الله تعالى الجهاد حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله خالصًا لله كما قال تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} .

ولما وقع بنو إسرائيل في الشرك وعبادة العجل، أمرهم الله تعالى بأن يقتلوا أنفسهم .. فقتل الموحدون منهم المشركين الذين عبدوا العجل، كما قال تعالى: {وإذ قال موسى لقومه يا قومي إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم} .

لذا مهما عظمت محنة القتل والقتال فإنه يهون أمام فتنة وفساد الشرك، كما قال تعالى: {والفتنة أشد من القتل} وقال تعالى: {والفتنة أكبر من القتل} أي فتنة الكفر والشرك أشد وأكبر من القتل والقتال وما يترتب عليه من جراحات وآلام.

قال ابن كثير في التفسير: ولما كان الجهاد فيه إزهاق النفوس وقتل الرجال، نبه تعالى على أن ما هم مشتملون عليه من الكفر بالله والشرك به، والصد عن سبيله أبلغ وأشد وأعظم وأطم من القتل، ولهذا قال: {والفتنة أشد من القتل} قال أبو العالية، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والضحاك، والربيع بن أنس في قوله تعالى: {والفتنة أشد من القتل} يقول: الشرك أشد من القتل اهـ.

ومنها أن ضريبة القعود عن جهاد هؤلاء الطواغيت الظالمين لهي أعظم بكثير من ضريبة جهادهم والخروج عليهم .. ولذلك بشهادة النصوص الشرعية الناطقة بالحق المطلق .. وبشهادة الواقع المصدق لتلك النصوص.

أما شهادة النصوص - إضافة لما تقدم - قال تعالى: {إلا تنفروا يعذبكم عذابًا أليمًا ويستبدل قومًا غيركم ولا تضروه شيئًا والله على كل شيء قدير} .

وفي الحديث فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( ما ترك قوم الجهاد إلا عمهم الله بالعذاب ) ). أخرجه الطبراني السلسلة الصحيحة 2663. وقال صلى الله عليه وسلم: (( إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم الزرع، وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلًا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم ) ).رواه أبو داود وغيره السلسلة الصحيحية 11.

إلى أن قال بعد أن ذكر نصوصًا شرعية أخرى: هذه شهادة النصوص الشرعية. . أما شهادة الواقع فحدث عن ذلك ولا حرج؛ فالشعوب عندما تركن للطواغيت الظالمين وتتخلى عن جهادهم والأخذ على أيديهم .. تقدم لهم كل ما تملك من غالٍ ونفيس. . تقدم الدين، والعرض، والولد، والأرض، والمال، والعزة، والكرامة. . وكل ما تملك من نفيس. . والطاغوت يريد منهم المزيد والمزيد. . ولن يرضى أو يقنع إلا بعد أن تنخلع - يا مسلم - من كل ما تملك وتدخل في عبوديته وطاعته بكل ما تعني العبودية والطاعة العمياء من معنى!

هذه ضريبة الركون إلى الأرض. . والتخلي عن جهاد الطواغيت. . أما ضريبة الجهاد مهما عظمت فهي إما نصر. . وإما شهادة. . وكلاهما فوز وعز وكرامة. . لو كنتم تعلمون!

فإن قيل - وقد قيل - انظر النتائج السيئة في بعض الأمصار التي حصل فيها جهاد. . وخروج على طواغيت الحكم. . والمفاسد التي حصلت للبلاد والعباد هناك. . فكيف نوفق بين ذلك وبين كلامك المتقدم؟!

أقول: كثير من المفاسد المشار إليها في تلك الأمصار. . ليس مردها إلى مبدأ الجهاد في سبيل الله، أو إلى مبدأ الخروج على طواغيت الحكم والكفر - كما يصور البعض! - وإنما مردها إلى أنفسنا الأمارة بالسوء. . وألخص مجمل الأسباب التي تؤدي إلى الانتكاسات التي وقعت فيها بعض الحركات الجهادية المعاصرة. . في النقاط التالية:

1.... الاستعجال في العمل قبل استيفاء الإعداد المطلوب. . ومن تعجل شيئًا قبل أوانه عُوقب بحرمانه!

2.... توسيع دائرة العمل أكثر من طاقات وإمكانيات المجاهدين. . فتتشتت طاقاتهم وقدراتهم على جبهات عدة ومتنوعة بدلًا من أن تحصر في الجبهة الأهم .. !

3.... سوء تقدير قوى الجاهلية المعاصرة، والمحيطة بهم. . والتعامل معها بروح تواكلية!

4.... المفاهيم والتصورات الخاطئة التي تطرأ على العمل الجهادي. . فتؤدي به إلى الانحراف والزيغ والضلال!

5.... السلوكيات الخاطئة. . وبخاصة إن كانت هذه السلوكيات ناتجة عن أصول ومفاهيم باطلة كأصول الخوارج الغلاة. .!

6.... التحالفات المشبوهة مع جهات مشبوهة، وملغومة - وبعضها جهات كافرة مرتدة - على مبدأ عدو عدوي صديقي. . فيرتد ذلك سلبًا على نتائج العمل الجهادي برمته، وبخاصة في مرحلة قطف الثمار!

7.... عدم ارتقاء الجماعة العاملة - قيادة وأفرادًا - في كثير من الأحيان إلى مستوى أخلاق ومبادئ الإسلام. . إلى مستوى الجهاد في سبيل الله. . إلى المستوى الذي يتنزل بسببه نصر الله على عباده المجاهدين!

8.... تنكب جمهور المسلمين عن نصرة المجاهدين ومعاونتهم .. والاكتفاء بموقف المتفرج اللامبالي. . ويعود ذلك لأسباب عديدة: منها جهلهم بطبيعة المعركة. وبصفة العدو. . ومنها الجهل بالأحكام الإسلامية وما يتوجب عليهم شرعًا. . ومنها الخوف. . ومنها إرجاف المرجفين وبخاصة منهم مشايخ السوء الذين آثروا الارتماء في أحضان الطواغيت والوقوف في صفهم. . وأثرهم الكبير على عوام الناس. . ومنها الخلافات الفقهية السائدة بين الجماعات والأطراف على ترتيب الأولويات. . فيتقدم فريق. . ويتأخر فريق. . لتأتي النتائج في الخانة السيئة التي لا نحب ولا نريد. . ومنها اقتناع فريق من العاملين بمبدأ الاكتفاء بالمراقبة والانتظار ليرى لمن سترجح الكفة، ومن سيظهر على الآخر. . وهو يكون في النهاية دائمًا مع المنتصر - ليشارك في الغنائم وقطف الثمار - ولو كان المنتصر هو الطاغوت المرتد. .!!

هذه مجمل الأسباب التي تؤدي - غالبًا - إلى فشل بعض الحركات الجهادية المعاصرة. . إلى الآثار والممارسات السلبية الخاطئة التي نراها في واقعنا الحاضر. . والتي لا نرضاها ولا يقرها عقل ولا دين!!

وعليه من الظلم والتجني أن نحمل تبعات أخطائنا وانحرافاتنا، وتقصيرنا. . إلى مبدأ الجهاد في سبيل الله. . ونقول هذه آثار وتبعات الجهاد. . ولا نقول هذه آثار وتبعات أخطائنا، وأهوائنا، وانحرافاتنا عن المنهج الرباني الصحيح. . والأمراض المتنوعة التي تعشعش في أنفسنا الأمارة بالسوء. .!

قال تعالى: {أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير} . .) انتهى كلامه وفقه الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت