معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 299
ثمّ إنّ الاستطاعة الّتي مكّن اللّه عباده من توجيهها للمسخّرات في الكون، إنّما تكون بإمداد اللّه لهم بها، في حركة متجدّدة مع تتابع الزّمن على وفق مشيئته، كالطاقة الكهربائية الّتي تتوقّف آثارها متى انقطع الإمداد بها.
فالعبد لا يستطيع بنفسه أن يقوم بأيّ عمل ظاهر أو باطن إلّا إذا أمدّه اللّه عزّ وجلّ بطاقة العمل وأعانه على القيام به.
ولمّا كان واقع حال العبد المخلوق كذلك كان عليه أن يعلن لربّه حاجته الدائمة إلى معونته وحده، وأن يعلن أنّه لا يستعين في أيّ أمر من أموره استعانة حقيقيّة إلّا به، مؤمنا بهذه الحقيقة من الحقائق الّتي يجب على العباد أن يؤمنوا بها، ومتبرّئا من حوله وقوّته، ومتبرّئا من معونة أيّة قوّة غيبيّة في الوجود سوى ربّه جلّ جلاله، فيخاطبه قائلا: وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ أي: ولا نستعين إلّا بك، والسين في نستعين للطلب، أي:
نطلب الاستعانة بك.
وفي التعبير بنون الجماعة في فعلي: (نعبد) ونستعين) يلاحظ العبد أنّه واحد من الأمّة الرّبّانيّة المؤمنة العابدة لربّها، لا تشرك بعبادته أحدا، فهو يقول معها في مخاطبة اللّه: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) وفي هذا تعميق لمعنى الجماعة الرّبّانيّة الواحدة، في قلب كلّ مؤمن مسلم للّه جلّ جلاله، منذ نشأة الخليقة وإلى أن يرث اللّه الأرض ومن عليها، وترث هذه الأمّة جنّات النعيم.
وفي قول العبد لربّه في صلاته وغيرها: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) مع ملاحظته لمضمون هذا القول وإيمانه به، يتخلّص من الشّرك كلّه، من الشّرك في ربوبيّة اللّه، ومن الشّرك في إلهيّته، ومن الشّرك في عبادة غيره معه.