معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 617
على ما أعدّ اللّه للأبرار والمحسنين السّابقين بالخيرات بإذنه، من منازل رفيعة في جنّات النعيم.
لقد دلّتنا سورة (العصر) على القيمة العظيمة لنهر الوقت السّيّال، الذي لا يملك أحد من الخلق إمهاله، أو تطويعه للانتظار، وإنّما يملك أن يغترف فيه نفعا، أو يصيد من كلّ موجة مارّة منه صيدا ثمينا.
ولا يحمي نفسه من خسارة عمره، إلّا من حوّل وقته إلى قيمة ثابتة، وأعظم التحويل قيمة من يحوّل وقته إلى قيمة يستثمرها نعيما خالدا، في دار النعيم يوم الدّين.
ومن خسر أوقات عمره الممتزجة بطاقاته المادّيّة، والمعنويّة فقد خسر نفسه، وهو في الحقيقة أخسر الخاسرين.
ما فائدة إنسان سعى كادحا حتّى ملك جبلا من ذهب، وحين ملكه سقط عليه ميّتا.
لكنّ الأخسر منه من ضيّع عمره فيها لا خير فيه، والأخسر منهما من حمل أوزارا وآثاما رمت به خالدا في عذاب النار، أو مقيما بها إقامة طويلة.
هذا هو مفهوم الوقت، وهذه هي قيمته في دلالات سورة (العصر) .
هذه الحقيقة الجليّة بكلّ أبعادها لا يدركها معظم الناس، فلا يكاد الباحث المتتبّع يجد إلّا ظالما لنفسه خاسرا، يبدّد عمره وطاقاته بإسراف وتبذير، فلا يحسن الاستفادة منهما في نافع له خالد، بل يتلفهما في متاع