معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 297
ويومئذ يظهر لكلّ الخلائق كمال ربوبيّة اللّه لكلّ شيء، وهو الواحد الأحد، لا يشاركه في ربوبيّته ولا في إلهيته أحد.
وجاء بيان هذا في قول اللّه عزّ وجلّ في سورة (غافر/ 40 مصحف/ 60 نزول) :
يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ (16) الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (17) .
وهكذا اشتملت هذه الآيات الثلاث من سورة الفاتحة على أهمّ الكليّات التي تعبّر عن توحيد الربوبية والإلهية للّه، وعن حكمة خلق الإنسان في الحياة الدنيا للابتلاء، تمهيدا لمحاسبته وفصل القضاء بشأنه ومجازاته يوم الدين.
ثانيا: تدبّر ما تحت العنوان الثاني من الكليّات الكبرى للسورة:
قال اللّه عزّ وجلّ:
* إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) .
سبق تثبيت أمّهات القضايا المتعلّقة بتوحيد ربوبيّة اللّه عزّ وجلّ، المستلزمة لتوحيد إلهيّته، وبيان رحمته بعباده المستلزمة لاصطفاء الدّين لهم، وبيان كون اللّه عزّ وجلّ هو مالك يوم الدين وملكه، المستلزم لكون اللّه قد خلق الناس ليبلوهم في ظروف الحياة الدنيا، ثمّ ليحاسبهم ويجازيهم على ما كان منهم تجاه مطلوب اللّه منهم في رحلة الحياة الدنيا، وهو تحقّقهم بعبوديتهم لربّهم، إيمانا بالحقّ المطلوب منهم أن يؤمنوا به، وإعلانا لإسلامهم للّه وطاعتهم لأوامره ونواهيه.
وبعد تثبيت هذه القضايا في ومضات موجزات تمتدّ أنوارها إلى فروعها في آفاق الفكر والنفس، والّتي تدخل تحت عنوان"الإيمان باللّه واليوم الآخر"