معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 296
أطلق"اليوم"وهو الزمن وأريد به كلّ شيء فيه مادّيّ أو معنويّ، فالملك يوم الدّين للّه وحده.
والمراد بلفظ"الدّين"هنا الجزاء والمكافأة، وظاهر أنّ تنفيذ الجزاء يستلزم قبله تسليم كتاب الأعمال، والمحاسبة عليها، أو عرضها، وفصل القضاء، فجاء الاستغناء بلفظ"الدين"عن كلّ الأمور الّتي يقتضيها الجزاء بالعدل أو بالفضل.
فمالك يوم الدّين هو مالك يوم الجزاء، وهو يوم قيام الأموات عند بعثهم إلى الحياة الأخرى، للحساب وفصل القضاء وتنفيذ الجزاء بالعدل أو بالفضل.
ولفظ"ملك"هو من الملك بضم الميم، وهو حقّ التصرّف في كلّ شيء بالأمر والنهي، والملك في الناس هو الذي له حقّ التصرف بإدارة شؤون مملكته بالأمر والنّهيّ، وعلى الّذين هم في دائرة ملكه طاعته وتنفيذ أوامره ونواهيه.
ولمّا كان كلّ شيء يوم الدّين خاضعا لسلطان اللّه عزّ وجلّ وحده، وخاضعا لأمره ونهيه وكلّ تصرّفاته، إذ لا يجعل اللّه يومئذ لأحد سلطانا ولا حكما ولا أمرا ولا نهيا، حتّى الشفاعة لا تكون يومئذ إلّا بإذنه، كان وحده هو الملك باطنا وظاهرا على وجه الحقيقة التامّة.
فجاءت القراءتان"مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ"و"ملك يوم الدّين"متكاملتين في أداء المعنى المراد بيانه والتعبير عنه.
فهو سبحانه يومئذ الملك على كلّ شيء بسلطانه العظيم، لا مشارك له في ملكه ولو على سبيل المشاركة الصوريّة.
وهو سبحانه يومئذ المالك لكلّ شيء، لا مشارك له في ملكه (بكسر الميم) ولو على سبيل المشاركة الصورية.