الأزمنة، فظنها من ظنها شرائع عامة لازمة للأمة إلى يوم القيامة، ولكلّ عذر وأجر».
وقال أيضًا: «وهذه السياسة التي ساسوا بها الأمة وأضعافها هي من تأويل القرآن والسنّة. ولكن هل هي من «الشرائع الكلية» التي لا تتغير بتغير الأزمنة؟ أو هي من السياسات الجزئية التابعة للمصالح، فتتقيد بها زمانًا ومكانًا؟».
إن تنبيه ابن القيم على هذه الحقيقة الكبيرة - حقيقة الجزئية والوقتية في هذه السياسات - كان أمرًا ضروريا لأهل الفقه، حتى لا تلتبس عليهم المسالك، وتتشابه المناهج، فَيُسَوُّوا بين المختلفين، أو يفرقوا بين المتماثلين.
وقد رأينا الإمام مالكًا يخالف ما جاء عن عمر - رضي الله عنه - في تحريق بعض الأشياء زجرًا وردعًا، كما حرق قصر سعد، وحانوت الخمار، وغيره. وكما في إراقة اللبن المغشوش ونحوه.
فقد كَرِه بعض العلماء إتلاف المال، وجوّزوا التصدق به.
وقد استحسن مالك التصدق باللبن المغشوش؛ لأن في ذلك عقابًا للجاني بإتلافه عليه، ونفعًا للمساكين في نفس الوقت بإعطائهم إياه. وكذلك قال في الزعفران والمسك إذا غشّهما الجان (1) ، وهذا معقول؛ لأن المال المتلف يضيع على الأمة كلها، وقد نُهينا عن إضاعة المال.
ويسعنا أن نخالف عمر والصحابة - رضي الله عنهم - في ضرب المتهم حتى يقرّ، إذا اشتهر بالفساد والجريمة، وإن أقرّ ذلك ابن القيم وأيّده. ونحن هنا مع الإمام الغزالي الذي ذكر هذا الاعتراض في «المستصفى» بقوله: فإن قيل: فالضرب بالتهمة للاستنطاق بالسرقة مصلحة، فهل تقولون به؟ فأجاب: قلنا: قد قال بها مالك - رحمه الله - (1) ، ولا نقول به، لا لإبطال النظر إلى جنس المصلحة. لكن لأن هذه مصلحة تعارضها أخرى، وهي مصلحة المضروب،
(1) التعزير في الشريعة الإسلامية للكتور عبد العزيز عامر، ص 402.