ولكن الغزالي - كما نقلنا عنه في «المستصفى» - ضيَّق في الأخذ بالمصلحة المرسلة، واشترط لها شروطا صعبة التحقيق وهي:
1 -أن تكون ضرورية: أي من الضروريات الخمس المعروفة، فإذا كانت في مرتبة الحاجيات أو التتمات والتحسينات لاَ تُعتبر.
2 -أن تكون كُلية: أي تعم جميع المسلمين، بخلاف ما لو كان لبعض الناس دون بعض أو في حالة مخصوصة.
3 -أن تكون قطعية أو قريبا من القطعية (1) .
ويبدو للمتأمل أن الغزالي لم يشترط هذه الشروط لكل مصلحة، ولكن اشتراطها في المثال الذي ذكره، وهو: تترس الأعداء بالمسلمين في الحرب، وإن فهم الأكثرون منه أنه شرط عام لكل المصالح.
قال القرطبي: «هي بهذه القيود لا ينبعي أن يختلف في اعتبارها، وأما ابن المنيّر فعدَّ ذلك تحكمًا من قائله» (2) .
والذي يظهر من عمل الصحابة - رضي الله عنهم - أنهم لم يكونوا يلتزمون هذه الشروط كلها، وإنما يراعون المصلحة، وإن كانت جزئية أو حاجية أو ظنية.
فعمر يحكم بطلاق امرأة المفقود بعد مضي أربع سنوات - إما من حين فقده، أو من حين رفع أمرها إلى القضاء - رعاية لمصلحة الزوجة، ورفعًا للضرر عنها، وإن لم يثبت موت زوجها، وهي مصلحة جزئية وحاجية وظنية،
(1) «المستصفى» جـ 1.
(2) «إرشاد الفحول» ص 226.