أما النكاح في حال الصغر، فلا يرهق إليه توقان شهوة، ولا حاجة تناسل، بل يحتاج إليه لصلاح المعيشة باشتباك العشائر والتظاهر بالأصهار، وأمور من هذا الجنس، لا ضرورة إليها.
أما ما يجري مجرى التتمة لهذه الرتبة فهو:
كقولنا: «لا تزوج الصغيرة إلا من كفء. وبمهر مثل» ، فإنه أيضًا مناسب، ولكنه دون أصل الحاجة إلى النكاح، ولهذا اختلف العلماء فيه.
الرتبة الثالثة: ما لا يرجع إلى ضرورة ولا إلى حاجة، ولكن يقع موقع التحسين والتزيين والتيسير للمزايا والمزائد، ورعاية أحسن المناهج في العادات والمعاملات (1) .
قال الغزالي:
فإذا عرفت هذه الأقسام؛ فنقول: الواقع في الرتبتين الأخيرتين لا يجوز الحكم بمجرده إن لم يعتضد بشهادة أصل؛ لأنه يجري مجرى وضع الشرع بالرأي فهو كالاستحسان، فإن اعتضد بأصل، فذاك قياس، وسيأتي.
أما الواقع في رتبة الضرورات، فلا بعد في أن يؤدي إليه اجتهاد مجتهد، وإن لم يشهد له أصل معين.
ومثاله: أن الكفار إذا تترسوا بجماعة من أسارى المسلمين.
فلو كففنا عنهم، لصدمونا ولغلبوا على دار الإسلام، وقتلوا كافة المسلمين.
ولو رمينا التُّرس، لقتلنا مسلمًا معصومًا لم يذنب ذنبًا، وهذا لا عهد به في الشرع.
(1) «المستصفى» بتحقيق: د. حمزة زهيرحافظ جـ 2/ 478 - 485).