فهرس الكتاب

الصفحة 285 من 316

وقد حكوا أنه عند ما كان أميرًا على المدينة، كان يقضي في بعض الدعاوى المرفوعة إليه بشاهد واحد ويمين المدّعي، ولا يوجب شهادة شاهدين، فلما ولي الخلافة وكان في دمشق، منع ذلك، وطلب شاهدين في كل قضية، فلما سئل في ذلك، قال: إنأا وجدنا الناس في الشام على غير ما كان عليه الناس في المدينة (1) .

وهو قد اهتدى بفتاوى الصحابة والراشدين من قبله، الذين غيروا فتواهم بتغيّر موجباتها، ولذلك أمثلة كثيرة معروفة، ذكرنا نماذج منها في موضعها.

وقد بينت في كتابي «شريعة الإسلام صالحة للتطبيق في كل زمان ومكان» : ما عرف بالاستقراء، وهو أن من الأحكام الاجتهادية ما مأخذه ومستنده مصلحة زمنية تغيرت بتغير العصر وتبدّل الأحوال، فينبغي أن يتغيّر الحكم تبعًا لها، فالمعلول يدور مع علته وجودًا وعدمًا.

ومن ذلك: ما نصت عليه بعض كتب الفقه في معاملة أهل الذمة بوجوب تمييزهم في الزي عن المسلمين، اتباعًا لما روي في ذلك عن عمر بن الخطاب أو عمر بن عبد العزيز، قالوا: لأنهم لما كانوا مخالطين لأهل الإسلام، فلا بدّ من تمييزهم عنا، كيلا يعامل معاملة المسلم، وربما يموت أحدهم فجأة في الطريق ولا يعرف، فيصلى عليه، ويدفن خطأً في مقابر المسلمين (2) ، وهو ما لا يرضاه هو ولا أهله ولا المسلمون.

وربما كان هذا التمييز مطلوبًا في أوائل عهود الفتح الإسلامي حيث يلزم الحذر والتحفظ.

فإذا نظرنا إلى تلك المصلحة في عصرنا - مصلحة التمييز بين أرباب

(1) انظر: «أصول التشريع الإسلامي» للشيخ علي حسب الله، ص 84، 85.

(2) انظر: «رد المحتار» (3/ 377) طبعة إستانبول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت