فأما مرجعها إلى حفظ الضروري، فهو من باب ما لايتم الواجب إلا به. فهي إذن من الوسائل لا المقاصد.
وأما رجوعها إلى رفع حَرَج لازم: فهو إما لاحق بالضروري، وإما من الحاجي، الذي مردّه إلى التخفيف والتيسير (1) .
وليس من اللازم إذن ما اشترط الإمام الغزالي أن تكون المصلحة من الضروريات، فقد تكون مصلحة حاجية، مما ييسّر على الناس، ويرفع عنهم العنت والحَرَج.
وليس من اللازم أن تكون كلّيّة عامة، فرعاية مصالح الأفراد، والفئات المختلفة، أمر معتبر في الشريعة.
وليس من اللازم أن تكون قطعية، فالعمل بالظن الراجح أمر معمول به في الأحكام الفرعية، وناط به الشرع أمورًا كثيرة.
والأمر المهم الذي ينبغي الالتفات إليه، والاحتياط فيه: أن تكون المصلحة حقيقية لا وهمية، فقد يخيل الهوى والشهوة، أو الوهم وسوء التصور، أو الإلف والعادة، لبعض الناس: أن عملًا ما مصلحة، وهو في حقيقته مفسدة، أو أنَّ ضره أكبر من نفعه، فكثيرًا ما يغفل الناس المصلحة العامة لأجل المنفعة الخاصة، أو يغفلون عن الضرر الآجل من أجل النفع العاجل، أو يغفلون الخسارة المعنوية من أجل الكسب المادي، أو يتغاضون عن المفاسد الكبيرة من أجل مصلحة صغيرة، فالاعتبارات الشخصية والوقتية والمحلية والمادية لها ضغطها وتأثيرها على تفكير البَشر، لهذا يجب الاحتياط والتحري عند النظر في المصالح وتقويمها تقويمًا سليمًا عادلًا.
(1) انظر «الاعتصام» للشاطبي جـ 2، ص 129 - 135 و «علم أصول الفقه» للشيخ عبد الوهاب خلَّاف ص 84 - 88 طبعة الدارالكويتية، و «مالك» للشيخ أبو زهرة، ص 391، ص 431.