الحائر المرتاب، وحاول أن يستنجد بشيخه «الطوفي» في قبره، ليخرجه من حيرته وشكه.
وكان يكفيه قول الله سبحانه: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36] ليحزم أمره ويعلن كما أعلن المؤمنون دائما: {وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 285] .
أما أن يتعالم على الله، ويستدرك عليه، ويحسب أنه أعلم منه بأحوال خلقه، وأبرّ بهم منه - جلَّ جلاله - فهذه هي الطامة: {قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ} [البقرة: 140] !؟
ب- وأما ضحالة معرفته بالشرع فتتمثل في أمرين:
أولًا: توهمه أنه قد يأتي بما ينافي مصلحة الخلق، والشرع إنما أقيم لمصلحة العباد في المعاش والمعاد، كما حقق علماء الأمة، وكما دل عليه استقراء الأحكام الثابتة بالنصوص الصحيحة الصريحة.
وإذا قيل: فيما لا نص فيه: حيث توجد المصلحة فثَمَّ شرع الله، فأولى أن يقال فيما فيه نص: حيث يوجد شرع الله فثَمَّ المصلحة!
غير أن عقول بعض الناس تقصر عن فهم حقيقة المصلحة فيتصورونها جزئية، فردية، محلية، مادية، آنية، دنيوية. والشرع ينطر إلى المصالح نظرة شمولية: جزئية وكلية، فردية وجماعية، محلية وعالمية، مادية ومعنوية، آنية ومستقبلية، دنيوية وأخروية.
ولا يقدر على الإحاطة بهذه الجوانب كلها إلا من أحاط بكلّ شيء علما، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض.
ثانيًا: أنه يريد أن يحيل الثوابت إلى متغيّرات، أعني أنه يريد أن يجتهد فيما لا يقبل الاجتهاد؛ إذ محل الاجتهاد - بالإجماع اليقيني - هو ما كان ظنيا في ثبوته أو في دلالته أو فيهما معًا.