وإنما قام الدليل، بل الأدلة العامة على أن الشرع يراعي مصالح الخلق، ويقصد إليها في كل ما شرع من أحكام، كما يقصد رفع الضرر والفساد عنهم، ماديا كان أو روحيا، واقعًا كان أو متوقعًا.
عرف هذا بتتبع تعليلات الشرع في نصوصه، وباستقراء أحكامه الجزئية.
والفقهاء والأئمة مختلفون في الاحتجاج بالمصلحة المرسلة، واعتبارها دليلًا شرعيا، يبنى عليها الحكم في الفتوى أو القضاء أو التشريع.
وأكثر الأئمة أخذًا بها هو الإمام مالك رضي الله عنه، وأصحابه وأتباع مذهبه.
ثم الحنابلة أيضًا أكثروا من الأخذ بالمصالح واعتبارها، كما يبدو ذلك في التراث الفقهي الحنبلي، وخصوصًا عند الإمامين ابن تيمية وابن القيم، وإن لم يسمياها «مصلحة مرسلة» .
ثم يأتي بعد ذلك الحنفية، وإن كان الشائع في كتبهم الأخذ بالاستحسان، وهو لون من اعتبار المصالح.
وأضيق المذاهب في الأخذ بالمصلحة هو مذهب الشافعية، وإن لم يخلُ من القول أو التعليل بها في بعض المسائل، كما سيأتي.
ولعل الإمام الغزالي - وهو شافعي - هو أول أُصولي خصّ «الاستصلاح» أو «المصلحة المرسلة» بحديث مفصَّل، وذلك في كتابه «المستصفى» ، فعرف المصلحة وأنواعها ومستوياتها، وموقف العلماء منها، على الرغم من اعتبارها عنده من «الأصول الموهومة» مثل الاستحسان، وقول الصحابي، وشرع مَن قبلنا.
قال - رحمه الله: «وقد اختلف العلماء في جواز اتباع «المصلحة المرسلة» ، ولا بد من كشف معنى المصلحة وأقسامها».
(1) المصلحة التي شهدت لها أصول الشرع بالاعتبار، فهي أعلى وأقوى، ولذا لم يختلف فيها.