فهرس الكتاب

الصفحة 201 من 316

حالة فاقة واحتياج، أو كان في حالة يسر وحرج من أمره، ولكنه اكتفى بالحالة العامة للناس في سنة المجاعة، وقد يكون السارق بالذات غير محتاج، فإن حالة المجاعة، وإن عمت كثيرًا من الناس قد يخرج عنها فرد أو أفراد، فكيف ساغ لعمر أن يوقف حد القطع قبل أن يحقق حالة السارق نفسه؟ فما ذلك إلا لأن عمر أعطى نفسه حق التصرف في النصوص وتقييدها، أو تعليقها بما يراه محققًا للمصلحة.

جواب الشيخ المدني: عمر لم يعلق نصا:

وأختار هنا أيضًا جواب العلامة الشيخ محمد المدني - رحمه الله - في نظراته في فقه عمر؛ إذ قال: إن عمر - رضي الله عنه - لم يعلق هنا نصًّا، ولم يعدِّل، ولم ينسخ - وحاشاه أن يرى لنفسه هذا الحق - وإنما فهم أن آخذ المال في عام المجاعة لا يوصف بأنه سارق؛ لأنه يرى لنفسه حقا فيما يأخذ، والسرقة هي أخذ الإنسان ما لا حق له فيه خفية.

بيان ذلك: أن من أصول الإسلام القطعية، التكافل بين الناس، على معنى أنه يجب على المجتمع وجوبًا كفائيا أن يغيث أفراده الذين نزلت بهم الفاقة، حتى أوردتهم موارد الضرورة، فإذ لم يقم المجتمع بهذا الواجب الكفائي للمضطرين، كان آثما، وكان للمضطر أن يأخذ ما يُقيت به نفسه ويدفع ضرورته.

وعام المجاعة من غير شك، هو ظرف زماني يغلب فيه وجود أفراد مضطرين على هذا النحو، فهو مظنة لوجوب الحق لهم على المجتمع، ولا ينظر في هذا لتحقق الضرورة فعلًا بالنسبة لشخص السارق، أو عدم تحققها حتى يقطع أو لا يقطع، فإن هذا موطن من مواطن الحدود، والحدود تُدرَأ بالشبهات، فيكفي أن يقول الحاكم: لعلَّ هذا إنما سرق لضرورةٍ ألجأته إلى السرقة، فتكون هذه شبهة قوية تدرأ عنه الحد.

أما لو كان العام ليس عام مجاعة، وإنما هو عام يُسر ورخاء، فإن هذه الشبهة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت