{ الَّذِين } : نعت للمتقين مقيد له ، أعنى لمنعوته الذى هو بعض المتقين ، إن فسرنا التقوى بترك ما لا ينبغى مترتبة عليه ترتب التحلية بالحاء المهملة ، وهو التزيين بالأشياء الجميلة على التحلية ، وهى التجريد من الأوساخ والأصداء ، وترتب النفس في الشئ على تصقيله ، أو نعت للمتقين موضح له ، إن فسرنا التقوى بما يعم فعل الطاعة وترك المعصية ، لاشتمال التقوى على الإيمان والصلاة والزكاة ، وهن أصل الأعمال والحسنات وأعمال القلب والبدن والمال ، وعليهن يترتب سائر الطاعت وتجنب المعاصى غالبًا ، قال الله تبارك وتعالى: { إن الصلاة تنهى عن الفشحا والمنكر } ، وقال A: « الصلاة عماد الدين » قال: « والزكاة قنطرة الإسلام » أخرج البيهقى في شعب الإيمان مرفوعًا بسند منقطع: « الصلاة عماد الدين » ، وأخرج أبو نعيم شيخ البخارى عن بلال بن يحيى مرفوعًا: « الصلاة عماد عمود الدين » وهو مرسل ، وقال إن رجاله ثقاة ، وأخرج الطبرانى في الكبير ، والبيهقى في شعبه مرفوعًا بسند ضعيف: « الزكاة قنطرة الإسلام » وأخرج عمروس ابن فتح C عن على عن رسول الله A أنه قال في خطبته: « ألا إنه لا صلاة لمانع الزكاة ، لا صلاة لمانع الزكاة ، والمتعدى فيها كمانعها » وروى الربيع عن أبى عبيدة ، عن جابر بن زيد ، عن ابن عباس عن النبى A قال: « لا إيمان لمن لا صلاة له ، ولا صلاة ولا ضوء له ، ولا صلاة ولا وضوء لمن لا صوم له ، ولا صوم له إلا بالكف عن محارم الله » .
أو: الذين نعت للمتقين على طريق المدح ، فهو التقوى صلته مدح لما تضمنه بعض المتقينمن الإيمان بالغيب ، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والإنفاق مما رزقهم الله ، وإنما يجعل الإنفاق الذى هو غير زكاة مما تضمنه بواسطة باعتبار أنها للمحاذرة عن النار بكل ما أمكن ، ولأن التقوى تستتبع الأعمال الصالحة ، ولك أن تقول التقوى الإيمان بالغيب ، وتضمن الصلاة والزكاة ونحوها من الواجبات فقط ، وخص ذلك بالذكر إظهارًا لتفضيلها على سائر ما يدخل تحت التقوى ، أو الذين مفعول لأمدح أو لأعنى ، أو خبر لمحذوف ، أى هم الذين ، ويجوز أن يكون الذين مبتدأ خبره: { ألئك على هدى من ربهم } وإذاجعلناه نعتًا للمتقين ، فالوقف على المتقين حسن ، وكذا باقى الأوجه ، إلا إذا جعلناه مبتدأ فالوقف على المتقين كاف ، لأنه لو فصل عنه لفظًا فقد وصل به معنى ، قاله السعد ، وقال القاضى تام ، والأرجح أن يكون نعتًا للمتقين ، كأنه قيل المتقين المتصفين بأنهم:
{ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْب } : الإيمان في اللغة التصديق ، والماضى: أمن بهمزة فألف فميم مفتوحة ، فالهمزة للتعدية ، والألف بدل من الهمزة التى هى فاء الفعل الثلاثى ، بوزن أفعل كأكرم ، لأن مصدره إفعال بكسر الهمزة لا بون فاعل بفتح العين ، إذ لم يكن مصدره فعلا بالكسر كان المصدق بكسر الدال صير المصدق بفتحها أمنًا من أن يكذبه أو يخالفه ، فالأصل أن يقول: آمنت الغيب وآمنت النبى محمدًا A ، أىصيرتهما آمنين من أن أكذبهما أو أخالفهما ، بالتعدية بالهمزة المزيدة ، ولكن عدى بالباء لتضمنه معنى الاعتراف بالقلب واللسان ، أو بالقلب ، أو باللسان دون القلب ، في حالة الكذب ، ولو كان المشهور عندنا معشر الإباضية: الوهبية: أنه لا يدخل الإنسان في التوحيد إلا باعتقاد وإقرار باللسان جميعًا ، وقد يطلق بمعنى الوثوق ، فالهمزة للصيررة نحو أمنت زيدًا أى صيرته ذا أمن من أن يكذبنى ، يقول ناوى السفر ما آمنت أن أحد صحابة ، أى ما أثق أن أظفر بمن أرافقه ، وذلك إما على تضمن آمنت بالشئ بمعنى استوثقت ، واطمأن قلبى إلى وجوده وصحته ، وإما على أن الواثق صار ذا أمن به لم يدخله ريب من جانبه ، وتلك الوجوه كلها حسنة في الآية .