وإن قلت كيف يصح أن يقال صيرت الغيب آمنًا ، من أن أكذبه ، وإنما الأمن يكمن فيمن يمكن منه الخوف؟ قلت: يصح ذلك مجازًا شبه التكذيب به بمناعة إنسان ومعاداته بجانب المباعدة في كل ، أو لمنافرة المستلزم ذلك لخوفه ، وإن قلت: الإيمان التصديق حقيقة والاعتراف مجازًا ، فإذا عدى بالباء علمنا أنه ضمن معنى الاعتراف ، فيلزم اجتماع الحقيقة والمجاز ، قلت: المشهور منعه ، وأجازه الشافى وغيره ، مع أنه لا يتعين ذلك ، لجواز أن نقول إنه مستعمل في حقيقته دالا على محذوف مؤدى للمعنى المجاز ، أى مصدقين حال كونهم معترفين باليغب ، كما يقال أحمد الله إليك ، أى أحمده منهيًا حمده إليك ، فإن حقيقة التضمين أن يقصد بالفعل معناه الحقيقى مع معنى آخر يناسبه ، من غير أن يقال إنه موضوع لهذا المعنى الآخر على ما يفيده كلام السعد ، بل يشير الفعل إلى ذلك المعنى ، بواسطة دلالة المقام على تقدير ما يؤدى ذلك المعنى ، ولك أن تقول حقيقة التضمين استعماله في ذلك المعنى الآخر مجازًا ، مع تلويح إلى المعنى الأًلى بواسطة التزام أو نحوه ، هذا ما سمح به خاطرى ولى في ذلك أبحاث .
والإيمان في الشرع تارة يطلق على التصديق ، بما علم بالضرورة أنه من دين سيدنا محمد - A - كنفى الشركة عن الله سبحانه وتعالى ، وإثبات النبوة والرسالة والبعث والجزاء . ومعنى كون ذلك معلومًا بالضرورة أنه مشهور ، حتى كأنه أمر ضرورى لا يحتاج إلى كسب ، ثم ما لوحظ إجمالًا كالملائكة والكتب والرسل ، كنفى الإيمن به إجمالا ، وما لوحظ تفصيلا كجبريل وموسى والإنجيل ، اشترط الإيمن به تفصيلا ، حتى إن من لم يصدق بمعين من ذلك فهو مشرك ، كذا ذكر بعض الشافعية وهو حق كما نقول معشر الإباضية الوهبية ، إلا أن جمهورنا يوجب معرفة جبريل وآدم ، ولا يمهل المكلف إلى ورود معرفتهما عليه ، كما لا نمهله نحن ولا قومنا في معرفة النبى - A - والقرآن ، ولا يشرك الإنسان بإنكار نبى لم يتوا ، وارة يطلق ، على مجموع الاعتقاد والإقرار أو العمل بمقتضى ذلك فمن أخل بالاعتقاد وحده و به وبالعمل فهو مشرك ، من حيث الإنكار منافق أيضًا ، من حيث إنه أظهر ما لي في قلبه ، ومن أخذ بالإقرار وحده ، أو بالإقرار والعمل ، فهو مشرك عند جمهورنا وجمهور قومنا ، وقال القليل إنه إذا أخل بالإقرار وحده مسلم عند الله من أهل الجنة ، وإن أخل به وبالعمل ففاسق كافر كفر نعمة ، ونريد باسم آخر له وهو لفظ منافق ، وإن أخل بالعمل فقط فمنافق عندنا فاسق ضال كافر كفرًا دون شرك ، غير مؤمن الإيمان التام ، وقالت المعتزلة خارج عن الإيمان غير داخل في اسم الكفر ، سواء كفر الشرك وما دونه ، وروى الإيمان إقرار باللسان وعمل بالأركان والاعتقاد بالجنان ، وقيل هو كلام من بعض السلف ، واختلفوا - الخوارج - وهم الذين خرجوا عن ضلالة على ، فقالت الإباضية الوهبية وسائر الإباضية فيمن أخل بواحد من الثلاثة ما تقدم: من إشراكه بترك الاعتقاد أو بترك الإقرار ، وينافق بترك العمل ، ويثبتون الصغيرة ، وقال الباقون كذلك وأنه لا صغيرة ، ومذهب المحدثين أن انضمام العمل والإقرار إلى الاعتقاد على التكميل لاعلى أنه ركن ، ونحن نقول: انضمامهما إليه ركن وهما جزء ماهيته ، وقيل شرط خارج عن الماهية لا ينتفع به بدونهما ، وأن ماهيته هى التصديق بالقلب فقط ، وأما الإقرار فإشهار دين الله - تبارك وتعالى - وتعظيمه والدعاء إليه ، ونفى أحكام المشركين عن نفسه ، وأما العمل فلوجوب الصدق ، فمن لم يعمل فقد كذب اعتقاده ، وإقراره إن أقر وخرج عن عبادته من أقر له واتف له ، واعتقد أنه عبده ، وعلى كلا القولين من أن الإقرار والعمل شرطان ، أو شطران لماهية الإيمان يكفى إقراره وعمله في خلوة عن حضور أحدى ، وزعمت الكرامية أن الإيمان هو التلفظ بالشهادتين ، سواء طابقه الاعتقاد أم لا ، فإن طابقه نجا ولو لم يعمل ، وإلا فهو مخلد في الناس من غير أن يسموه مشركًا ، فعندهم التلفظ يفنى اسم الشرك باطنًا كما ينفيه ظاهرًا ، ولا ينفى حكمه وهو الجزاء بالنار إن لم يطابقه الاعتقاد ، ويبطل قولهم ما وردت به لغة العرب والقرآن والسنة أن الإيمان تصديق بالقلب وإذعانه ، وقال أبو حنيفة وبعض الأشاعهرة ، الإيمان تصديق بالحنان وإقرار باللسان ، لأن التصديق لما اعتبر بكل من اللسان والحنان ، كان كلا منهما جزءًا من ماهية الإيمان ، ولكن تصديق القلب ركن لا يحتمل السقوط ، وتصديق اللسان يسقط لنحو خرس أو إكراه ، وهو موافق لما نقوله معشر الإباضية الوهبية ، غير أنا نقول: إن العمل جزء من ماهية الإيمان ، لكن لا يخفى أنه جزء من ماهية الإيمان التام لا مطلق الإيمان ، بدليل انه لا نحكم بالشرك على من ترك العمل ، قال الإيمان باق فيمن ترك العمل ، ولكنه لا ينفيه ، فمطلق الإيمان تركت ماهيته عندنا بالاعتقاد والإقرار فقط ، ورجح بأن الله - جل وعلا - ذم المعاند أكثر من الجاهل المقصر ، ويجاب بأن الذم للإنكار والعناد لا لمجرد عدم الإقرار ، وقيل الاعتقاد فقط ، وأما الإقرار فلما مر من إشهار الدين والدعاء إليه ونفى أحكام الشرك ونحو ذلك ، وللعباد والثواب والتوكيد ، ويدل له إضافة الإيمان إلى القلب مثل: