{ وقَالَ لَهُم نَبِيُّهم إنَّ آيةَ مُلْكِهِ أنْ يَأتِيكُم التَّابوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّنْ رَبكُم وبَقيَّة ممَّا تَركَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَرونَ تَحْملُه الملائِكَةُ } : وقيل جعل لهم نبيهم ذلك آية تنبيهًا وتأكيدًا ولم يسألوه آية وهو ظاهر الآية ، وقيل قالوا له: إن صدقت فأتنا بالتابوت من جالوت . الآية: العلامة ، والتابوت: الصندوق ، وهو فعلوت بفتح الفاء والعين ، من تاب يتوب ، أى رجع . سمى لأنه يرجع إليه ما يخرج منه بنفسه أو بدله أو قيمته أو ثمنه ، ولأن صاحب يرجع إليه أصله توبوت بفتح الواو الأولى ، قلت الفاء لتحركها بعد فتحته ، فالزائد الواو والتاء الآخران ، وليس وزنه فاعولا على أن يكون الزائد الألف بعد التاء والواو ، وبعد الباء ، فتكون التاء الأولى فاءه والأخرى لامه ، والباء بينهما عينه ، لأنه يلزم عليه كونه ألفا واللم من جنسه واحد ، وذلك قليل كسلس وقلق ، فلا حيمل عليه لقلته ولأنه لا تعرف في العربية مادة تبت بناءين مثناتين ، وقرأ أبىّ وزيد بن ثابت التابوه بهاء مضمومة وهى لغة الأنصار ، كأنهم جعلوا الهاء بدلا من التاء لاتحادهما في الهمس ، وكونهما من حروف الزيادة ، وذلك الصندوق من خشب الشمشاء ، وهو خشب يتخذ منه المشط يموت بالذهب ، خلقه الله بلا عمل نجار فيه ، وقيل: هو من عود الصندل كذلك ، وكان قدر ما يحمل ، وقال وهب بن منبه: كان نحو ثلاثة أذرع طولا في ذراعين عرضا ، وقيل ذراعين وشبرا في ذراعين وشبر ، وكانت فيه صورة الأنبياء من آدم إلى سيدنا محمد A مصورة في خرف من حرير ، وقد ذكرتها في رد الشرود إلى الحوض المورود مفصلة أنزله الله على آدم من الجنة ، فكان عنده ثم عنده شيث وتوارثه الأنبياء إلى أن صار عند إبرهيم ، ثم عند إسماعيل إذ كان أكبر بنيه ، ثم عند يعقوب؛ وتوارثوه إلى أن صار عند موسى يضع فيه التوراة ومتاعا من متاعه ، ونداوله الأنبياء بعده من بنى إسرائيل إلى أن وصل أشموئيل ، وكان إذا اختلف بنو إسرئيل فىشئ تكلم وحكم بينهم ، وإذا حضر القائل قدموه بين أيديهم يستفتحون به على عدوهم ، وقيل كانت الملائكة تحمله فوق العسكر وهم يقاتلون العدو ، فإذا سمعوا منه صيحة استيقنوا النصر ، ولما عصوا وفسدوا سلط عليهم العمالقة فغلبوهم على التابوت وسلبوه ، وذلك انه كان عيلا ، وهو الحبر الشيخ الذى ربى أشموئيل لهُ ابنان ، وهو حبر بنى إسرائيل وصاحب قربناهم . في زمانه فأحدث أبناه في القربان شيئا لم يكن فيه وذلك أنه يكون لصاحب القربان ما يقبض عليه كلابان فاتخذ أبناه كلاليب ، وكان النساء يصلين في بيت المقدس فيتشبهان بهن ، فأوحى إلى نبيهم وزعم بعض أنه أمشوئيل إن انطلق إلى عيلا ، وقيل لهُ: منعك حب الولد من أن تزجر ابنيك أن يحدثنا في قربانى وقدسى شيئا وأن يعصيانى فلا زعنك من القربان ، فلا يكون بيدك ومن ولد ، ولأهلكنك وإياهم ، فأخبره أشموئيل بذلك ، ففزع وسار إليهم عدوهم من حولهم ، فأمر عيلا ابنيه أن يخرجا بالناس فيقاتلا ، فخرجا فأخرجما معهما التابوت ، فملا خرجوا جعل يتوقع الحبر ، فجاءه رجل فقال إن الناس قد انهزموا ، وقد قتل ابناه ، قال فما فعل التابوت؟ قال: أخذه العدو ، وكان قاعدًا على كرسيه فشهق ووقع على قفاه فمات فمرج أمر بنى إسرائيل ، وتفرقوا إلى أن بعث الله طالوت ملكا ، والعدو لما أخذ التابوت أتوا به قرية من قرى فلسطين يقال لها أزدود ، فجعلوه في بيت أصنام لهم تحت الصنم الأعظم ، فأصحبوا من العدو الصنم تحته ، فأخذوه ووضعوه تحت الصنم ، وسمروا قدمى الصنم على التابوت ، فأصحبوا وقد تقطعت يد الصنم ورجلاه ، فأصحبه ملقى تحت التابوت ، فأصبحت أصنامهم منكسة ، فأخرجوا التابوت من بيت الأصنام ، ووضعوه في ناحية من مدينتهم ودفنوه في مزبلة في تلك الناحسة ، وأخذ أهلَ تلك الناحية وجعٌ في أعناقهم حتى هلك أكثرهم ، فقال بعضهم لبعض: أليس قد علمتم إن إله بنى إسرائيل لا يقوم لهُ شئ فأخرجوه إلى قرية أخرى ، فبعث الله إلى إهلها فأرًا فكانت الفأرة تبيت مع الرجل فيصبح ميتًا قد أكلت ما في جوفه ، فأخرجوه إلى الصحراء ودفنوه ، فكان كل من تبرز هناك أخذه الباسور هناك والقولنج ، وقيل أصاب رجالهم ونساءهم الباسور والفنولنج وهو في مدينتهم ، وهلكت به خمس مدن من مدائنهم ، قيل تحيروا فيه ، فقالت لهم امرأة من بنى إسرائيل ، كانت عندهم من بنات الأنبياء: لا تزالون ترون ما تكرهون ما دام التابوت فيكم هكذا ، فأخرجوه عنكم فأتوا بعجلة بإشارة تلك المرأة وحملواعليها التابوت ، ثم علقوها بثورين وضربوا جنوبهما ، فأقبل الثوران يسيران قد وكل الله بهما أربعة أملاك يسوقونها حتى وقفا على أرض بنى إسرائيل ، ووضع التابوت في أرض فيها حصاد لبنى إسرائيل إلا التابوت عندهم ، فكبروا وحمدوا الله وقيل قال بعضهم: ما أصابنا ذلك إلا بهذا التابوت ، فهل لكم أن تردوه إلى بنى إسرائيل ، فقالوا لا نفعل ، ولكن نحمله على بقرة ونحبس عجلها ثم نوجهها إلى صفوف بنى إسرائيل ، فإن أراد الله أن يرده إلى بنى إسرائيل وإلا رجعت إلى عجلها فنزلت ملكان ، تأخذ أحدهما برنها وساقها الأخر حتى دخلت صفوفهم ، وقال الله: { تحملهُ الملائكة } ، والحامل الثوران لأن من حفظ شيئا في الطريق على دابة أو سفينة يوصف بأنه حمله ، وقال ابن عباس رضى لاله عنهما: نزلت به الملائكة من السماء وبنو إسرائيل ينظرون حتى وضعوه بين أيديهم ، عند طالوت ، وذلك أنهم رعوه من العمالقة ، وجاءوا به من جهة السماء ، وقال الحسن: رفع للسماء لما التيه خلفة موسى عند يوشع ، فجاءت به الملائكة منه حتى وضعوا طالوت في داره ، وبرجوعه أقروا بملك طالوت ، وإسناد الآيتين للتابوت مجاز لأنه لم يأت بنفسه .