{ وَإِذ أخَذْنا ميثاقَكُم } . . إلخ: إنما ذكر مع أنه قد تقدم من مثله إذًا عليهم ، أى واذكروا إذ أخذنا ميثاقكم على العمل بالتوراة ، ورفعنا عليكم الطور فعصيتم فعصيناكم ، ومخالفتكم للتوراة كفر بها فلم يصح إيمانكم ، فإنما كرر ذكر أخذ الميثاق ورفع الطور ليرد عليهم بالنقض على ادعائهم الإيمان بالتوراة لا للتأكيد ، نعم يصح أن يقال كرر ذلك الرد وللتأكيد معًا . وليزيد عليه ، قالوا سمعنا وعصينا وفى قوله: { ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم } إلى قوله: { وعصينا } إشارة إلى أن حالهم مع رسول الله A كحالهم مع موسى عليه السلام وهى المخالفة .
{ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ } : الجبل تخويفًا لكم حين أبيتم من قبولها ، الواو عاطفًا لاحقًا على سابق ، إذا قلنا أخذ الميثاق إنزال التوراة وخطابهم بما فيها ، أو قلنا إنه قبولهم لها ، وقولهم ائتنا بالكتاب الذى وعدتنا نعمل به ، وسابقًا على لاحق إذا قلنا أخذ الميثاق هو إذعانهم إليها بعد رفع الطور ، أو الواو للحال المحكية إذا قلنا هذا ، أو للحال المقدرة إذا قلنا أخذ الميثاق هو ما تقدم قبل هذا ، وكذا الكلام فيما سبق ، وإذا قلنا بالحالية فقيل تقدر قد وقيل لا . قال ابن هشام: زعم البصريون أن الفعل الماضى الواقع حالا لابد معه من قد ظاهره نحو: { وما لكم ألا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم } ، أو مضمرة نحو: { أنؤمن لك واتبعك الأرذلون } ، أو { جاءوكم حصرت صدورهم } وخالفهم الكوفيون واشترطوا ذكل في الماضى الواقع خبرًا لكان كقوله E لبعض أصحابه: « أليس قد صليت معنا » وقول الشاعر:
كنا حسبنا كل بيضاء شحمة ... وخالفهم البصريون ، وأجاز بعضهم أن زيدًا لقام على إضمار قد . . انتهى .
{ خُذُوا } : أى قائلين حذف ، أو فقلنا خذوا كما مر ، وقدر بعضهم وقلنا بالواو والوجه الأول أولى ، ويليه تقدير قلنا بلا واو ولا فاء على الاستئناف النحوى والبيانى ، كأنه قيل مما إذا كان بعد رفع الطور ، فقال قلنا: خذوا .
{ مَا آتَيْنَاكُم } : من التوراة أو الشرع أو ما أمرناكم به .
{ بقوَّة } : بعزم وجد ونشاط .
{ وَاسْمَعُوا } : أى اسمعوه سماع طاعة ، وقبول بحيث تعملون به ، ولكون السماع الذى أمروا به سماع طاعة وقبول طابق قوله جوابهم المذكور في قوله عز وعلا:
{ قَالُوا سَمِعْنا } : أى سمعناه أو سمعنا قولك يا ربنا أ يا موسى ، فإن ذلك على يده بآذاننا فقط لا سماع طاعة وقبول .
{ وَعصَيْنا } : أمرك فلا نعمل بما أمرتنا به ، وذلك صريح بألسنتهم ، وقيل لم يقولوه بألسنتهم ، ولكن بلسان حالهم فإنهم لما سمعوه بآذانهم ولم يعملوا به صاروا كأنهم نطقوا بذلك .
{ وَأُشْرِبُوا } : أى أشربهم الله بمعنى الخذلان لا الخير أو الشيطان بمعنى الوسوسة والإغراء أى صيرهم شاربين .