فصح بهذين المعنيين أن يكون الاجتهاد في الشرع أصلا يستخرج به حكم ما لم يرد فيه نص ولا انعقد عليه إجماع [1] .
ومن خصائص الإمام الشاشي في سياسته الشرعية أنه عندما يعرض للنوازل الفقهية يحاول أن يكيفها مع القاصد العامة للشريعة, لتنتظم في بوتقة المصالح والمفاسد وتقديرهما, مبينا أن الشرائع مصالح, ومعقول أن المصالح تتعلق بأمور كثيرة, تخفى حقائقها على العباد، لاتصالها بعواقب الأشياء التي تقصر عنها معارف البشر [2] .
وهناك نوازل افتراضية لم تنزل ولم تقع, ولكن الفقهاء يفترضونها ويضعون لها احتمالات, وبناء على هذا الافتراض يوجدون لها حكما, وهذه مدرسة معروفة في الفقه الإسلامي [3] .
ومن أمثلة هذه النوازل الافتراضية: أن تجلس امرأة على مني رجل في حمام -مثلًا- فيشرب فرجها مني الرجل، فما الحكم إذا حملت من ذلك الماء وولدت؟ وهل ينسب الولد إلى زوجها إن كانت ذات زوج؟ وهل تحد إذا لم تكن متزوجة؟ وهل يلزمها الغسل من الجنابة؟ ونحو ذلك.
وفي معرض حديث الشاشي عن نوازل وأحكام أهل الذمة, يقول ردا على من أنكر ما أورده من أحكام:"ثم يقال لمن أنكر هذا: أخبرنا عن السائس الحكيم منا إذا ظفر بمخالف له في دينه أيجوز أن يمهله اليوم واليومين والثلاثة يتطهر فيها من أمر دينه, فإن قال: لا, بأن ظلمه ومنعه في العقول المنع به, وإن قال: نعم, قيل: فهل في ذلك تخلية له وكفره, أو الرضا بما يعتقد, فهذا نقوله في أمر أهل الكتاب, ولا"
(1) انظر: الماوردي، علي بن محمد، الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي تحقق: الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود, ط 1، (بيروت، دار الكتب العلمية، 1419 هـ -1999 م،) ، 16/ 125.
(2) انظر: القفال الشاشي، مرجع سابق، ص 37، المرجع السابق، ص 34.
(3) هذه مدرسة اشتهر بها أهل العراق وخاصة الأحناف, وللاطلاع على تفصيل آرائهم في هذا الشأن انظر كتبهم: مثل البحر الرائق، والمبسوط، وفتح القدير وغيرها.