لم ينضج فقه النوازل عند المتقدمين عموما, ولم يعينوها ذلك التعيين, بل كانت تأتي روح النازلة وحقيقتها في إطار حوادث تاريخية, يتعامل دون ضوابط محددة, بل حسب فقه اللحظة وإملاءاتها, ومن تراكم هذه النوازل في تاريخ الفقه الإسلامي وما أنتجته من اجتهادات, تولد فقه النوازل الناضج والمنضبط بعد ذلك.
وقد قيل: إن النوازل تطلق بوجه عام على المسائل والوقائع التي تستدعي حكمًا شرعيًا [1] , ومن المعلوم تسليما أن الله -سبحانه وتعالى- قد أكمل الدين بقرآنه وسنة نبيه-صلى الله عليه وسلم- فقد قال: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ} [2] , وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:"ما تركت شيئا مما أمركم الله به، إلا وقد أمرتكم به، ولا تركت شيئا مما نهاكم الله عنه، إلا وقد نهيتكم عنه" [3] اهـ.
قال الشافعي -رحمه الله-: فما لم يكن فيه وحي فقد فرض الله في الوحي اتباع سنته فمن قبل عنه فإنما قبل بفرض الله عز وجل, والله سبحانه وتعالى أعلم [4] .
فدلت الآية في إكمال الدين, ودل الخبر في استيفاء الأوامر والنواهي، على أن للأحكام المسكوت عنها أصولا في الكتاب والسنة يتوصل بها إلى معرفة ما أغفل بيانه فيهما, وهو الاجتهاد فيما تضمنها من الأمارات الدالة، واستخراج ما تضمنها من المعاني المستنبطة ليكون الدين قد كمل والأحكام قد وضحت، فإن النصوص على الحوادث معدول عن استيعابه لأمرين:
أحدهما: أنه شاق في الإحاطة بجميعه.
والثاني: ليتفاضل العلماء في استنباطه.
(1) ابو البصل، عبدالناصر موسى، المدخل إلى فقه النوازل، بحث منشور ضمن كتاب بحوث في دراسات فقهية في قضايا فقهية معاصرة، (2/ 602)
(2) سورة المائدة، الآية: ا 3.
(3) السنن الكبرى للبيهقي، كتاب النكاح، باب الدليل على أنه صلى الله عليه وسلم لا يقتدي به فيما خص به ويقتدى به فيما سواه، 7/ 121، رقم الحديث 13443 حديث ضعيف فيه إرسال.
(4) المرجع السابق. في نفس الصفحة.