قلت بعد تأمل حقيقة المفسدة: أجد أنها (كل أمر يخالف مقاصد الشرع وليس في منتهاه منفعة) .
وأيا يكن فإن هذين الجانبين شغلا حيزًا مهمًا من تفكير وتنظير علماء الأمة, ذلك لما خصهما الشارع به من عناية جعلت مدار الشرع عليهما.
تناول القفال الشاشي في تصويره للمصلحة والمفسدة طريقا لطيفا, اتبع فيه تعليل الأحكام بتلمس مصالحها, ومفاسدها - إن وجدت - في المقابل, ويأخذ ذلك طرقا مختلفة تنتهي كلها إلى إبراز حسن الاستصلاح الذي أصل له الشارع, إناطة الحكم بالمعنى؛ لإبراز المصلحة أو المفسدة المتعلقة به. ومن أمثلة ذلك قوله عند حديثه عن تحريم الشارع للخمر, بعد أن أورد قول الله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ ... الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} [1] .
فأشير بهذا إلى انها حرمت لما فيها من إيقاع أسباب الفساد وزوال العقل, ثم كان معقولا أن هذا يتحقق في الكثير دون القطرة والقطرتين فصاعدا إلى أن يبلغ حد الكثرة, ولكن لما كان التمييز بين الكثرة والقلة قد تعذر في كثير من الأحوال, لاختلاف طبائع الناس في القوة والضعف, حتى يظهر تأثير السكر في بعضهم بما لا يظهر في غيره, لم يأمن أن يُتَطرق بالقليل إلى الكثير, فحسم الباب وحُمل الناس فيه على سَنَنٍ واحد, وهذا موافق لما تجري عليه السياسة الفاضلة, فإن السايس الفاضل المريد الخير لمن تحت يده, قد يحميهم الشيء القليل إذا لم يؤمن تطرقهم إلى الكثير, ويزجرهم عن الأمر المباح الذي لا ضرورة بهم إلى فعله, لئلا يقعوا في المحظورات من ذلك الجنس" [2] ."
(1) سورة المائدة، الآية: (91)
(2) الشاشي، محمد بن علي بن أسماعيل، محاسن الشريعة، تحقيق: محمد علي سمك، (بيروت: دار الكتب العلمية، 2007 م) ، 42.