من المعلوم أن الشارع قد أولى المصلحة في سياساته الشرعية قدرا كبيرا من الأهمية, وجعلها هي ملاك أمر السايس, فإذا تحققت وصلح أمرها صلحت شؤون الأمة, وهنا نفهم السر في إكثار العلماء في حديثهم عن المصالح وجلبها, ومدى محوريتها في السياسة الشرعية, التي هي موضوعنا, ولنعرف المصلحة أولا فنقول:
المصلحة هي: على وزن المَفْعَلة, وهي واحدة المصالح كقولهم: معلمة ومعالم وملحمة وملاحم, وهي كالمنفعة وزنا ومعنى, واشتقاق هذه الكلمة من مادة (ص ل ح) , وهي التي عالج فيها اللغويون مختلف استعمالات هذه الكلمة ودلالاتها, ولهذا ورد في لسان العرب: صلح: الصلاح: ضد الفساد, صلح يصلح ويصلح صلاحا وصلوحا, وأنشد أبو زيد [1] :
فكيف بإِطراقي إِذا ما شتمتني *** وما بعد شتمِ الوالدينِ صلوح [2]
وهو صالح وصليح، والجمع صلحاء وصلوح، وصلح: كصلح، ورجل صالح في نفسه من قوم صلحاء، ومصلح في أعماله وأموه، وقد أصلحه الله، وربما كنوا بالصالح عن الشيء الذي هو إلى الكثرة، وهذا الشيء يصلح لك أي: هو من بابتك، والصلاح: نقيض الاستفساد، واصلح الشيء بعد فساده: أقامه، واصلح الدابة: أحسن إليها فصلحت، والصلح: تصالح القوم بينهم، والصلح: السلم، وقوم صلوح: متصالحون كأنهم وصفوا بالمصدر، والصلاح، بكسر الصاد، مصدر المصالحة، والعرب تؤنثها، والاسم الصلح، يذكر ويؤنث، وصلاحِ وصلاح:
(1) سعيد بن أوس بن ثابت، بن زيد بن قيس بن زيد بن النعمان أبو زيد الأنصاري, صاحب النحو واللغة. حدث عن أبي عمرو ابن العلاء, وشعبة, كان ثقة ثبتا من أهل البصرة، وقدم بغداد, توفي سنة: 215 هـ. البغدادي، أحمد بن علي بن ثابت، تاريخ بغداد، مصطفى عبدالقادر عطا، ط 1، (بيروت: دار الكتب العلمية، 1417 هـ) ، 9/ 81.
(2) البيت من الطويل وهو منسوب لعون بن عبد الله بن عتبَة بن مَسْعُود, الدينوري، عبدالله بن مسلم، غريب الحديث، تحقيق: د. عبدالله الجبوري، ط 1، (بغداد: مطبعة العاني 1397 هـ) ، 1/ 226.