فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 117

وهذا نص ثمين يبين طريقة الشاشي في معالجة صورة المصلحة والمفسدة من منظور سياسي شرعي, حيث بدأ بالحكم الشرعي مبينا معقوله, مظهرا المصلحة أو المفسدة التي تترتب عليه, في تسلسل منطقي بديع يظهر حكمة الشارع, وحسن شرائعه, وتلك غاية سامية, والحاجة إليها عظيمة.

فالشاشي _ رحمة الله _ نظر في هذا المثال إلى مدى مراعاة مرتبة المفسدة في الشرع حيث يقدر وجوب حسم مادتها وقطع ذرائعها، وهذا الذي تبنى عليه مقاصد الدين في السياسة الشرعية، فعندنا هنا معنيان يردان على هذا الحكم، الأول: سد الذرائع، وهو أصل معتبر في الشرع قرره الأئمة وبينوا ضوابطه في كتب القواعد والأصول وأن كان أشتهر بالقول به المالكية وكان من أصولهم المعتبرة، إلا أن سائر الأئمة ذهبوا إليه في تقريرهم لكثير من الفروع وأن لم يقولوا به نصًا. فهذا الأصل يحدد عمل الشاشي وجريانه على التأثير في السياسة الشرعية حيث مبناها على اعتبار الغلبة فيها فهذه قاعدة عامة في الشرع، وبالتالي فإننا عند النظر في مسألة الخمر نجد أن علة تحريمه أنما هي ما يحصل به من السكر وذهاب العقل، ولكن لماذا حرم القليل؟ فالجواب أن القليل حرم لسببين، الأول: إفضاؤه إلى الكثير، فحرم القليل سدا للذريعة الوقوع في الكثير. وهذا ما أشار إليه الشاشي بقوله: (لم يؤمن أن يتطرق بالقليل إلى الكثير، فحسم الباب، وحمل الناس فيه على شيء واحد وسنة واحدة، وهذا موافق على ما تجري عليه السياسة الفاضلة، فان السائس الفاضل المريد الخير لمن تحت يده قد يحميهم السيء القليل إذا لم يؤمن تطرقهم إلى الكثير ويزجرهم عن الامر المباح الذي لا ضرورة بهم إلى فعله لئلا يقعوا في المحذورات من ذلك الجنس، ألا ترى فيما روي في الخبر من قوله عليه السلام:(يوشك من يرتع حول الحمى يقع فيه) .

ثانيا: لا يمكن تحديد القلة من الكثرة التي تحرم دون ما لا يحرم منها لأن الناس متفاوتون في التأثر بشرب الخمر والمقدار الذي يؤديهم إلى السكر، فحرم الكل حسم للمادة، وهذا الذي قرره القفال من مراعاة المفسدة والنظر في مراتبها هو عين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت