السياسة الشرعية. ... وقد قال في توضيح هذه المسألة في مقدمة هذا المبحث: (وهو أن كثيرًا من الأحكام موضوع على معنى يوجد في جنس الشيء، ثم يتحقق وجوده في كثير دون قليل، فيستوي القليل والكثير، لاشتمال الجنس عليهما، وكثير من الأشياء يفترق في الجنس قليله وكثيره في الجملة، ثم يصار في تمييز قليله من كثيره إلى ضرب من ضروب الاجتهاد فيما يعد ذلك قليلا أو يعد كثيرا [1] .
ومن الأمثلة الحية التي يمكن أن نبنيها على القاعدة التي أصلها الشاشي في هذه المسألة قضية الاختلاط، وبيانها أن التوسع في الاختلاط قد يفضي إلى محذور شرعي كالوقوع في الفاحشة ونحوها، فكان للإمام مراعاة للسياسة الشرعية الفاضلة أن يحسم هذا الباب ويمنع من حصوله عند الحاجة إلى ذلك، وهذا الذي تسنده الأدلة الشرعية العامة حيث حثت على مكوث النساء في بيوتهن وعلى التقليل من خروجهن، وعلى التحفظ عند مخاطبة غيرهن، كما أمر الشرع أيضًا بغض البصر، ونهى عن الخلوة بالمرأة الأجنبية، وكل هذا ورد لغرض سد باب المفسدة وحماية الناس من الوقوع في الفاحشة، فإذا تقرر هذا المعنى في الاختلاط وصار مظنة لوجوده أو لحصوله حٌقً للحاكم أن يمنع منه. والأمثلة على هذا الباب كثيرة كالمنع من الصيد في أوقات معينة أو منع ذبح إناث الحيوانات بشروط معينة ونحوها.
فالملاحظ أن الشاشي يأتي بأمثلة لمصلحة أو مفسدة ما, ثم يحاول بتدرج أن يظهر للمتلقي وجه فسادها, مستشهدا بنظير واقعي -إن اقتضى الأمر- وهذا واضح في الفقرة السابقة, وهو يحاول أيضا تصويرهما أحيانا بأسلوب مختلف يقول فيه: ووجه ذلك كذا, أي وجه مصلحته, أو وجه مفسدته هو: كذا وكذا, أو يقول: والمعنى فيه كذا, أي: معنى المصلحة أو المفسدة, [2] .
وقد ركز -رحمه الله- على أن سياسة المصالح في التشريع مما خفي واستأثر الله - سبحانه وتعالى- بمعرفة وجه المصلحة فيه, فيقول في ذلك:"فعل الله كذا لما علم"
(1) القفال الشاشي، مرجع سابق، ص 37، المرجع السابق، 38
(2) انظر القفال الشاشي، مرجع سابق، ص 37 المرجع السابق، 62.