لعباده فيه من الصلاح, والأمر إلى ما وراء هذا مما يستأثر الله به من علم الغيب, وما وقفنا فيه على العلة الخاصة التي أخبرنا مشايخنا, وجمعنا بين العلتين, وازددنا فيه استبصارا" [1] ."
وإذا كان الحاكم غير ملزم ببيان أوجه تصرفه في رعيته وتعليل كل ذلك فإن الشارع الحكيم لا يُتَحرّى علم كل أوجه مصالح ومفاسد أحكامه.
ويوضح الشاشي في مكان آخر أن هذه المصالح والمفاسد مختلفة بحسب الأعيان والأزمنة والأحوال, وذلك راجع إلى اختلاف أسباب هذه المصالح, وما يستنبط فيها من معنى مقيد باتصاله بالصلاح, على ما يعلمه علام الغيوب [2] .
وهذا من أساليب الشاشي التي درج عليها في كتابه محاسن الشريعة.
ومهما يكن فقد عُني الشاشي بإبراز المصالح والمفاسد والتنظير المنطقي المشبع بالقياس والأمثلة التي تترك صورة المصلحة في أعلى درجات الحسن, وتترك المفسدة - كذلك - في أشد درجات القبح والاستنكار.
ويقرر الشاشي بجلاء أن المصلحة المعتبرة في الشرع تنبثق منه بمقتضى ما تتضمنه نصوص الكتاب والسنة من المعاني، وما تشتمل عليه من الحكم، فالمصلحة تأخذ من العلل والمناسبات الواردة في الكتاب والسنة، ولا يجوز بحال من الأحوال أن تتعارض أو تضاد الشرع، هكذا يرى الشاشي، وهذا موقفه وإن كان في ظاهر الأمر يبدو متوسعا جدا في تقرير مآخذ العقل وإيجابه غير أنه يقرر في مواضع من كتابه أن المصلحة هي مقضياتها أدلة الشرع، ومثال ذلك قوله: (ثم إن الشكر يختلف، فيقع مرة بالقول، وهو الثناء وتعديد الإحسان، ويقع مرة بالفعل، وهو التذلل والخشوع والخضوع والوقوف أمام المنعم، مستعدًا ليمضي في أمر إن صدر عنه، فكان الناس لو صاروا في هذا عقولهم لوجدوا وجوها في العقل مختلفة مترددة
(1) انظر: سلطان العلماء، مرجع سابق، ص 27، المرجع السابق، 2/ 5. أنظر: القفال الشاشي، مرجع سابق في نفس الصفحة 27.
(2) القفال الشاشي، مرجع سابق، بنفس الصفحة، 43.