وعند عرض ما تطرق إليه الشاشي من صفتي الأمام كشرط العلم والعدالة, نجد أن كلامه عن شرط العلم ليس فيه تعجيز أو إهمال, بل اللأزم الضروري الذي يكون فيه مدبر ومتصرف, في أحوال الرعية، عنده دراية بما هو لازم لسياسة الناس على الوجه الشرعي، وهذا ما وافق به الدليل الحسي والعقلي, ولكن اختلف أهل العلم في تحديد هذا العلم هل يشترط على الإمام الوصول إلى مرتبة الاجتهاد أم لا ,على قولين:
القول الأول: يشترط في الإمام بلوغ مرتبة الاجتهاد, وهو قول الجمهور, فقد قال إمام الحرمين الجويني: (فالشرط أن يكون الإمام مجتهدًا بالغًا مبلغ المجتهدين مستجمعًا صفات المفتين، ولم يؤثر في اشتراط ذلك خلاف) [1] .
وقال الرملي في سياق عده لشروط الإمام: ( ... مجتهدًا كالقاضي وأولى، بل حكى فيه الإجماع ... ) [2] وإلى هذا القول ذهب الإمام الشافعي [3] ، والماوردي [4] ، والقرطبي [5] ... ، وابن خلدون [6] وهذا ما ذهب إليه القفال الشاشي ضمنا كما سبق.
القول الثاني: ذهب إلى أنه لا يشترط بلوغ الإمام مرتبة الاجتهاد, وبه قالت أكثر الحنفية, واعتبر ابن حزم أن هذا الشرط من شروط الاستحباب لا الوجوب وبه قال الغزالي: (وليست رتبة الاجتهاد مما لا بد منه في الإمامة ضرورة, بل الورع الداعي
(1) الجويني، مرجع سابق ص 58، المرجع السابق، ص، 66.
(2) الرملي، شمس الدين محمد، نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، (بيروت: دار الفكر، 1404 هـ ـ 1984 م) ، 7/ 409.
(3) الشافعي، محمد بن إدريس، الأم، ط 1، (الناشر: مكتبة الكليات الأزهرية، 1381 هـ) ، 1/ 161.
(4) الماوردي، مرجع سابق، ص 57، المرجع السابق، ص 6.
(5) القرطبي، مرجع سابق، ص 54، المرجع السابق، ص 1/ 171.
(6) ابن خلدون، عبدالرحمن بن محمد، مقدمة ابن خلدون، تحقيق: عبدالله محمد الدويش، ط 1، (الناشر: دار يعرب، 1425 هـ ـ 2004 م) ، 139.