ومن المسائل التي ينجلي فيها بعد نظر الشاشي في ربط السياسة الشرعية بالأحكام تركيزه على جوانب المصلحة المتعلقة بمناسبة الحكم في المعاملات المالية في قضية تلقي الركبان، حيث ربط النهي عن هذا النوع من التعامل بما يترتب عليه من المفسدة العامة والخاصة ففي سياق كلامه على الأسباب التي يفسخ بها البيوع الصحيحة قال: (ومما يدخل في جملة هذا الباب تلقي الركبان، فقد وردت السنة بالنهي عن تلقي الركبان، وقيل ممن تلقاها فصاحب السلعة خيار إذا قدم السوق، وكان المعني في هذا والله أعلم: أنهم أمروا بالتلقي الركبان الجالب، وأن يدعوهم إلى السوق أن يدخلوا السوق، فيعرفوا الأسعار فكانوا عارفين لهم، فحلوا محل الغار بالعيب المدلس، فكان لهم الخيار لما لحقهم من الغرر والنقص، وجعلنا هذا أصلا في كل من باع شيئا على أن قيمته كذا ثم وجدها نقص عن ذلك أنه له الرد للغرر بالنقص، والله أعلم [1] .
هذا كلامه -رحمه الله- وتعليله لحكم تلقي الركبان، وأكثر أهل العلم على المنع منه لما ذكر الشاشي- رحمه الله -من الأسباب.
وحكي عن أبي حنيفة أنه لم ير بذلك بأسًا، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن تتبع.
فإن حصل أن خالف المشتري وتلقى الركبان، ثم اشترى منهم، فالبيع صحيح في قول الجميع، وقاله ابن عبد البر، وحكي عن أحمد رواية أخرى أن البيع فاسد؛ لظاهر النهي، ومرجع الخلاف في هذه المسألة إلى قاعدة هل النهي يقتضي الفساد، والقول الأول أصح، كما قال ابن قدامة -رحمه الله- [2] .
ومن المسائل التي أبرز الشاشي فيها مقام المناسبة والتعليل في الأحكام كلامه في توقيت المطالبة بالشفعة، حيث رتب الحكم فيها على ما يحصل منها من ضرر على أحد الطرفين، وهذا سياق كلامه:"ولما وجبت الشفعة نظرنا وقلنا في مطالبة"
(1) أنظر: القفال الشاشي، مرجع سابق، ص، 37 المرجع السابق، ص 454.
(2) أنظر: ابن قدامة، موفق الدين ابي محمد، المغني، تحقيق: عبدالله بن عبدالمحسن التركي، عبدالفتاح الحلو، ط 3 (الناشر: دار عالم الكتب، 1417 هـ 1997) ، 4/ 165.