هذا الزوج الثاني إن دخل بها حرمة مؤبدة، معاملة لها بنقيض مقصودها، بمقتضى السياسة الشرعية في المصالح المرسلة [1] .
فهذا القرار من عمر رضي الله عنه من صميم السياسة الشرعية والعمل بالمصالح المرسلة التي يقررها الحاكم ويسوس الناس بها حفظا للمصالح ودرءًا للمفاسد.
وإذا عرفنا أن الأدلة والنصوص محدودة ومتناهية ومصالح العباد تتجدد وتتوسع وتتشعب في إطار التطور البشري والحاجات الإنسانية الهائلة, أدركنا أهمية ترشيد الأدلة العامة وتكييف الجزئيات معها.
ولكي لا يتوسع في مفهوم المصالح المرسلة من لا يدرك حقيقة السياسة الشرعية، ويقع في مصادمة النصوص الشرعية فقد حصرها كثير من أصحاب الشأن من العلماء بضوابط الشرع فقد ذكر الأصوليون أن المصلحة ترد بمعنى قياس المناسبة؛ لاشتمالها على الوصف المناسب للحكم المتضمن للمصلحة، وأصلها في الشرع يرجع إلى تحصيل ما قصده الشارع باعتباره الوصف المناسب في جلب المصالح للعباد، ودفع المفاسد عنهم [2] .
والفرق بين المصلحة والقياس؛ أن القياس يرجع إلى أصل معين، بخلاف المصلحة فإنها ترجع إلى قواعد شرعية عامة، وأصول كلية [3] .
هذا مقتضى مراد الأصوليين من تحديد مفهوم المصلحة، غير أن مجال كلامنا هنا هو أعم من ذلك، وهو الذي يجري على مدلول المقاصد السياسية العامة للشريعة، من اقترانها من جلب المصالح المستلزمة لدفع المفاسد، وهي بمعنى الحق المطلوب في الشرع الذي ينبغي قصده وطلبه وعمله [4] .
(1) الزحلي، محمد الزحلي، القواعد الفقهية وتطبيقاتها الأربعة، ط 1، (دمشق: دار الفكر، 1427 هـ - 2006 م) ، 1/ 417.
(2) انظر: الولاتي، محمد بن يحي، تحقيق: بابا محمد عبدالله محمد، ص 305.
(3) انظر: ابن النجار، تقي الدين ابو البقاء محمد، مختصر التحرير في شرح الكوكب المنير، تحقيق: محمد الزحلي ونزيه حماد، ط 2، (الناشر: مكتبة العبيكان، 1418 هـ _ 1997 م) ، 4/ 170_171.
(4) انظر: مجموع الفتاوى (11/ 343، 16، 165، 32، 233، 234) .