فهرس الكتاب

الصفحة 101 من 117

فهذا الحديث يؤصل لمسألة المساواة, فحيثما تساوى الحكم الشرعي والحالة التي استدعته فلا عبرة بأمور أخرى من قبيل: من يقع عليه الحكم؟.

وخاصم عبد من عامة الناس عبد الرحمن بن عوف, وهو من كبار الصحابة, إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فغضب عبد الرحمن بن عوف، وسب العبد قائلًا: يا ابن السوداء, فغضب النبي أشد الغضب، ورفع يده قائلًا:"ليس لابن بيضاء على ابن سوداء سلطان إلا بالحق"، فاستحيا عبد الرحمن وخجل، ورأى أن يعتذر للعبد أوضح اعتذار وآلمه للنفس، فوضع خده على التراب، وقال للعبد: طأ عليها حتى ترضى [1] .

ومن أبرز مظاهر تطبيقات هذه القاعدة ما قام به عمر بن الخطاب رضي الله عنه, في مواقف مختلفة, دونها التاريخ, وكانت شمسا تتراءى في الزمن السحيق, من ذلك -مثلا- موقفه في حادثة جبلة بن الأيهم [2] , وكان قد داس رجلا، فلكمه الرجل، فهم بقتله، فقال عمر: الطمه بدلها, الإسلام سوّى بينكما, فغضب، وارتحل، ثم ندم على ردته - نعوذ بالله من العتو والكبر _ [3] .

ولو كان في يد الحاكم أن يطلق سبيل المعتدي على غيره بضرب أو جرح؛ لكان لعمر بن الخطاب وجه لو أغضى عن لطم جبلة ملك غسان لذلك العامل الضعيف ولم يقل له بملء فمه الطاهر:"الإسلام سوى بينكما"، ولو عفا ابن الخطاب عن جبلة في هذه الواقعة؛ لهدم قاعدة المساواة من أساسها، وتكدرت عليه خواطر الأمة؛ فيضطرب حبل السياسة، ولا يستطيع أن يكون ذلك الرجل الذي مد جناحي خلافته على دول عظيمة في أمد غير بعيد, وفي هذا من تأكيد مبدأ التساوي في الحقوق،

(1) لم أقف عليها, وقد ذكرها صاحب كتاب: التشريع الجنائي الإسلامي مقارنًا بالقانون الوضعي: عبدالقادر عودة، مرجع سابق، ص 65، المرجع السابق، ص (332)

(2) جبلة بن الأيهم بن جبلة الغَسَّاني، من آل جفنة: آخر ملوك الغساسنة في بادية الشام. عاش زمنا في العصر الجاهلي، وقاتل المسلمين في دومة الجندل سنة: 12 هـ, وحضر وقعة اليرموك سنة: 15 هـ, أسلم ثم ارتد عن الإسلام وعاش بين الروم, توفي سنة: 20 هـ, الزركلي، مرجع سابق، ص 13، المرجع السابق، ص (2/ 111)

(3) الذهبي، مرجع سابق، ص 13، المرجع السابق، ص (3/ 532)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت