فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 61

وبيان ذلك: أن عقل لاعب الشطرنج يكون منشغلًا عند لعبه بشدة , فهو كثير التفكير به والتحليل له مما يسبب له في غالب الحالات الغفلة عن ذكر الله وعن الخشوع في الصلاة وهذا واضح عند تأمل حال لاعبيه , ولهذا يوصف لاعبيها بأنهم:"إذا اجتمعوا تلاحظوا تلاحظ ... البقر" [1] , وقد شبه علي رضي الله عنه لاعبيها بعباد الأصنام حيث قال (ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون) [2] .

كما أنه يؤدي إلى إشغال وقت لاعبيه بلا مقابل محسوس يعادل هذا الإشغال , فلاعبيه يمضون الساعات الطوال في لعبه , والشريعة الإسلامية أمرت بحفظ الوقت وإشغاله بما ينفع المسلم في دنياه وأخراه.

وقد يرد على ذلك ما ذكره بعض الشافعية [3] من أن للشطرنج فائدة للاعبيه منها: معرفة الحساب والقدرة على تحليل الأمور, وحسن التدبير في الحروب ونحوها.

ويجاب عن ذلك: بأن هذه الفائدة لا تعادل قيمة الوقت الذي أُمضى في لعبه , ولا تقابل المفاسد التي تنتج عنه , وإذا اجتمعت المصالح والمفاسد في أمر ما نُظر إلى أغلبهما فقدم , كما قال الله تعالى بشأن الميسر - الذي منه الشطرنج على رأي بعض العلماء - (يَسْأَلُوُنَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ , قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلْنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِِهِمَا ... ) [البقرة:219] , يقول شيخ الإسلام ابن تيمية معلقًا على هذه الآية ومبينًا حال لاعبي الشطرنج حين اللعب به - وأنقل كلامه بنصه لأهميته وصلته بالموضوع:

(فنبِّه على علة التحريم وهي ما في ذلك من حصول المفسدة وزوال المصلحة الواجبة والمستحبة, فإن وقوع العداوة والبغضاء من أعظم الفساد , وصدود القلب عن ذكر الله وعن الصلاة - اللذين كلٌ منهما إما واجب وإما مستحب - من أعظم الفساد , ومن المعلوم أن هذا يحصل في اللعب بالشطرنج والنرد ونحوهما وإن لم يكن فيه عوض , وهو في الشطرنج أقوى , فإن أحدهم يستغرق قلبه وعقله وفكره فيما فعل خصمه , وفيما يريد أن يفعل هو , وفي لوازم ذلك , ولوازم لوازمه , حتى لا يحس بجوعه ولا عطشه ولا بمن يُسلِّم عليه , ولا بحال أهله , ولا بغير ذلك من ضرورات نفسه وماله , فضلًا أن يذكر ربه أو الصلاة , وهذا كما يحصل لشارب الخمر , بل كثيرٌ من الشُّرَّاب يكون عقله

(1) انظر: قضايا اللهو الترفيه - مادون رشيد صـ 156.

(2) انظر: الفتاوى الكبرى 32/ 245 , والأثر رواه البيهقي في السنن الكبرى - كتاب الشهادات , باب الاختلاف في اللعب بالشطرنج 10/ 212 , وابن أبي شيبة في المصنف , - كتاب الأدب - باب في اللعب بالشطرنج 8/ 550.

(3) انظر: مغني المحتاج 4/ 428 , ونهاية المحتاج 8/ 295 , وقد جمعها بعض الشافعية بقولهم (إذا سلمت الأموال عن الخسران , واللسان عن الطغيان , والصلاة عن النسيان , فهو أنسٌ بين الإخوان , واشتغال عن الغيبة والبهتان) انظر: كف الرعاع لابن حجر الهيتمي 2/ 320 مطبوع مع كتابه الزواجر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت