تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب.
الوجه السادس:
أن من قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم هذا القول؛ كانوا إذا واجههم بما قالوا، انتفوا مما قالوا.
كما في الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما عن جابر بن عبد الله قال: (كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة - قال سفيان: يرون أنها غزوة بني المصطلق - فكسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار، فقال المهاجري: ياللمهاجرين، وقال الأنصاري: ياللأنصار، فسمع ذلك النبي صلى الله عليه وسلم:"ما بال دعوة الجاهلية؟"، قالوا: رجل من المهاجرين كسع رجلًا من الأنصار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: دعوها فإنها منتنة، فسمع ذلك عبد الله بن أبي، فقال: أو قد فعلوها؟! والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقام عمر فقال: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"دعه، لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه") .
قال أبو إسحاق: (أن زيد بن أرقم؛ أخبره أن عبد الله بن أبي ابن سلول قال: {لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا} ، وقال: {لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل} ) ، قال: (فحدثني زيد أنه أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول عبد الله بن أبي، قال: فجاء فحلف عبد الله بن أبي لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال ذلك) ، قال أبو إسحاق: (فقال لي زيد: فجلست في بيتي، حتى أنزل الله تصديق زيد، وتكذيب عبد الله في؛ {إذا جاءك المنافقون} ) .
كان المنافقون إذا تكلموا بالكلمة من الكفر لم يكن النبي صلى الله عيه وسلم يقتلهم بعلمه، بل لابد من البينة - إما بإقرارهم أبو بشاهدين - فكان المنافقون إذا واجههم النبي صلى الله عليه وسلم بكلامهم أنكروه، لذا قال الله تعالى: {يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله فإن يتوبوا يك خيرًا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابًا أليمًا في الدنيا والآخرة وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير} ، وقال تعالى: {اتخذوا أيمانهم جنةً فصدوا عن سبيل الله إنهم ساء ما كانوا يعملون} .
فهل يظن مسلم بالنبي صلى الله عليه وسلم أنه يثبت عنده كفر أحد من المنافقين ببينة ثم لم يستتيبه النبي صلى الله عليه وسلم أو يقتله من غير استتابة إن كان زنديقا - كما قرره أكثر أهل العلم -؟!
فأما المرتدون اليوم؛ فهم يصرحون بأقوالهم وأفعالهم الكفرية ليل نهار، بل لا تكاد تخفى على احد، ولكن اكثر الناس يجهلون حكم من قال هذا أو فعله، فهل يقاس مثل هؤلاء