3 -أن قول الصحابيّ - الذي لم يخالَف - مستنِدٌ إلى دليلٍ شرعيٍّ نصًّا أو فهمًا.
قال ابن القيّم:(فتلك الفتوى التي يُفتي بها أحدهم لا تخرج عن ستّة أوجهٍ:
أحدها: أن يكون سمعها من النبيّ - صلى الله عليه وسلم -. الثاني: أن يكون سمعها ممن سمعها منه.
الثالث: أن يكون فَهِمَها من آيةٍ من كتاب الله فَهْمًا خَفِيَ علينا.
الرابع: أن يكون قد اتّفق عليها مَلَؤهم ولم يُنْقَل إلينا إلا قول المفتي بها وحده.
الخامس: أن يكون لكمال علمه باللغة ودلالة اللفظ على الوجه الذي انفرد به عنا، أو لقرائن عاليةٍ اقترنتْ بالخطاب أو لمجموع أمورٍ فهموها على طول الزمان من رؤية النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ومشاهدة أفعاله وأحواله وسيرته وسماع كلامه والعلم بمقاصده وشهود تنزيل الوحي ومشاهدة تأويله الفعلَ، فيكون فَهِمَ ما لا نَفْهَمُه نحن.
وعلى هذه التقادير الخمسة تكون فتواه حجّةً يجب اتّباعها.
السادس: أن يكون فَهِم ما لم يردْه الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأخطأ في فهمه والمرادُ غيرُ ما فَهِمَه.
وعلى هذا التقدير لا يكون قوله حجّةً [1] ، ومعلوم قطعًا أن وقوع احتمالٍ من خمسةٍ أغلب على الظنّ من وقوع احتمالٍ واحدٍ معيّنٍ، هذا ما لا يشكّ فيه عاقلٌ، وذلك يفيد ظنًّا غالبًا قويًّا على أن الصواب في قوله دون ما خالفه من أقوال مَن بعدَه، وليس المطلوب إلا الظنّ الغالب، والعمل به متعيِّنٌ) [2] .
(1) لكن يستحيل في هذه الحال ألا يخالفه غيره من الصحابة فيبيّنَ الحقّ، وسيأتي توضيح ذلك.
(2) إعلام الموقّعين 6/ 20 - 21.
ومثال قول الصحابيّ المستنِد إلى الدليل نصًّا: ما رواه ابن ماجه في كتاب الجنائز، باب ما جاء في الجنازة لا تُؤخَّر إذا حضرتْ ولا تُتْبَع بنارٍ، 2/ 213، ح 1487، قال: (حدّثنا محمّد بن عبدالأعلى الصنعانيّ أخبرنا معتمِر بن سليمان قال قرأتُ على الفُضيل بن مَيسرة عن أبي حَريزٍ أن أبا بُردة حدّثه قال: أوصى أبو موسى الأشعريّ حين حضره الموت، فقال: لا تَتْبعوني بمِجمَرٍ. قالوا: أوَ سمعتَ فيه شيئًا؟ قال: نعم، من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) . قال البُوصيريّ: (هذا إسنادٌ حسنٌ؛ أبو حَرِيزٍ اسمه: عبدالله بن حسينٍ، مختلَفٌ فيه) . مصباح الزجاجة 1/ 484. وحسّنه الألبانيّ. صحيح سنن ابن ماجه 2/ 14. وأبو حَريزٍ - وهو عبدالله بن حسينٍ الأزديّ - قال فيه ابن حجرٍ: (صدوقٌ يخطئ، 6، خت 4) . التقريب ص 500. وقد قال الذهبيّ: (صالح الحديث، قوّاه بعضهم) . تاريخ الإسلام 8/ 460. وانظر: الكاشف: 1/ 489.
ومثال قول الصحابيّ المستنِد إلى الدليل فهمًا: ما رواه النَّسائيّ في كتاب النكاح، إباحة التزويج بغير صداقٍ، 6/ 121، ح 3354، قال: (أخبرنا عبدالله بن محمّد بن عبدالرحمن حدّثنا أبو سعيدٍ عبدالرحمن بن عبدالله عن زائدة بن قُدامة عن منصور"بن المعتمِر"عن إبراهيم"بن يزيد"عن علقمة"بن قيسٍ"والأسود"بن يزيد"قالا: أُتِي عبدالله في رجلٍ تزوّج امرأةً ولم يَفْرِضْ لها فتوفّي قبل أن يَدخُل بها، فقال عبدالله:(سَلُوا هل تجدون فيها أثرًا) ؟ قالوا: يا أبا عبدالرحمن، ما نجد فيها - يعني أثرًا -، قال: (أقول برأيي، فإن كان صوابًا فمن الله، لها كمهر نسائها، لا وكسَ ولا شططَ، ولها الميراث، وعليها العدّة) ، فقام رجلٌ من أشجعَ، فقال: (في مثل هذا قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فينا في امرأةٍ يُقال لها بَرْوَع بنت واشقٍ تزوّجتْ رجلًا فمات قبل أن يدخل بها فقضى لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمثل صداق نسائها، ولها الميراث، وعليها العدّة) ، فرفع عبدالله يديه وكبّر). وصحّحه الألبانيّ. صحيح سنن النَّسائيّ 2/ 453.