فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 103

وتعالى، ولربما تعاملت بالحرام، كل ذلك تهاونًا منها بحجة السعي إلى أن جذب الناس وترغيبهم، ونسَت تلك الجماعات أو تناست أن الله سبحانه وتعالى أمرنا بالدعوة لنُعذر أمام الله، فكيف نُعذر وقد خالفنا دينه وتعدّينا حدوده؟!

فجماع الأمر أن يكون الداعية إلى الله يقصد من دعوته أن يُعذر أمام الله أولًا، ثم أن يتقي الناس ربهم ثانيًا، فيوازن في ذلك موازنة دقيقة، جعلني الله وإياك من الهداة المهتدين.

وإذا كان جماع الدين وجميع الولايات هو أمر ونهي، فالأمر الذي بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم هو الأمر بالمعروف، والنهي الذي بعثه به صلى الله عليه وسلم بعثه بربه هو النهي عن المنكر.

وليس المراد من الشرائع التي أنزلها الله مجرد ضبط العوام؛ بل المراد منها الصلاح باطنًا وظاهرًا، وهذا كلام لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، في غاية الأهمية، أن يعلم الداعي إلى الله سبحانه وتعالى أن ليس مراده أن يضبط عامة الناس، فليس مرادك -أيها الداعية- أن يمتنع الناس عن بيع الدخان، وأن يمتنع الناس عن حلق اللحى، وأن يمتنع الناس عن ترك إسبال الثياب، وأن يمتنع الناس عن المنكرات الظاهرة بأن تضبطهم؛ بل مرادك أن تضبط العوام، وأن تصلحهم باطنًا وظاهرًا، وهذه لا يكون إلا بالجمع بين الحسبة والدعوة، وبين الإلزام والوعظ، وبين الترغيب والترهيب.

جاء في كتاب: (أهمية الحسبة في النظام الإسلامي) [1] تعليقًا على ذلك: فالغرض من السلطة في الإسلام يختلف عنه في القوانين الوضعية والمذاهب الأرضية، وهذه حقيقة مهمة يجب أن تُعلم؛ لأن المذاهب والقوانين الوضعية عندما تكثر من العساكر، أو الشرطة، أو الحرس أو غير ذلك؛ إنما مقصودها حفظ النظام، وضبط الناس، وحفظ الأمن، ولا زيادة على ذلك، والقوانين الوضعية لا تفكر في شيء اسمه الصلاح الباطن، فهذه يعتبرونها مبادئ أخلاقية وقيم نفسانية، وهذه عندهم من شغل الفلاسفة الأخلاقيين، فلا تعنيهم، إنما يعنيهم الانضباط الظاهري فقط، وهذا مفرق عظيم بين شريعة أحكم الحاكمين التي جاءت لإصلاح القلوب ومداواة أمراضها، وبين ما يضعه الجاهليون

(1) ص (15) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت