من الأمور اللازمة لنجاح الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، التحقق والتثبت من المنكر المطلوب إزالته وتغييره، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات:6] . فالتريُّث قبل توجيه الاتهام من الأمور المهمة للمحتسب؛ لئلا يتهم شخصًا بذنب هو بريء منه، فأعراض الناس ليس من السهل الكلام فيها، وقد يترتب على ذلك مفاسد عظيمة على الشخص المتهم وعلى أسرته، ولعل مما يدفع إلى مثل هذا الأمر هو الحماس غير المنضبط، والتشوّف لإيقاع العقوبة الشرعية على الشخص، وهذا ليس من مقاصد الشريعة السمحة التي لا تتشوف لإقامة الحدود على الناس، بقدر ما تتشوف إلى الستر عليهم، وعدم إظهار عيوبهم، فإظهار عيوب المسلمين شرخ في جدار الإسلام، وهو مما قد يزهد غير المسلمين في الدخول للدين بسبب مثل هذه الإشاعات، ولهذا امتنع النبي - صلى الله عليه وسلم - - صلى الله عليه وسلم - عن قتل المنافقين على الرغم من شدة عداوتهم للدين لخوفه أن يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه.
من الأمور اللازمة لنجاح الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يفعل ما يأمر به ويجتنب ما ينهى عنه، والذي لا شك فيه أن الداعية إلى الله لا يستطيع أن ينفذ بدعوته إلى مستمعيه ما لم يكن قدوة حسنة، إن مسئولية الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر تجاه أنفسهم أعظم بكثير من مسئولياتهم تجاه المجتمع، وخطورة التقصير فيما للدعاة على أنفسهم من واجبات يفوق خطورة التقصير فيما للمجتمع عليهم من حقوق.
فالدعاة إلى الله ينبغي أن يكونوا قدوة حسنة للمجتمع الذي يعيشون فيه، تبدو في حياتهم آثار الرسالة التي يدعون إليها، وقد أنكر الله - جل وعلا - على أولئك الذين يعظون الناس ولا يتعظون، وينهونهم ولا ينتهون، فقال تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [البقرة: 44] [1] .
(1) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في ضوء كتاب الله (1/ 161) .