بالصراخ فلما طال على القوم ذلك ولم يجدوا حيلة في إخراجها نشروها وبقي النصل في عينه ولم تزل في مكانها وسألوه المسير إلى منزله فأبى وجلس داخل الباب إلى أن سكن ما به وخف عنه الألم، فقالوا له: عد إلى منزلك بقية ليلتك، فقد نكبنا في يومنا هذا نكبتين نكبة الصليب ونكبة عينك كل هذا مما وصل إلينا من النبال، وقد علمنا أن القوم لا يصطل لهم بنار، وقد سألناك أن نصالح القوم على ما طلبوه منا! فغضب توما من قولهم، وقال: يا ويلكم يؤخذ الصليب الأعظم وأصاب بعيني وأغفل عن هذا ويبلغ الملك عني ذلك فينسبني للوهن والعجز ولابد من طلبهم على كل حال وآخذ صليبي وآخذ في عيني ألف عين منهم وسأوقع حيلة أصل بها إلى كبيرهم وآخذ جميع ما غنموه وبعد ذلك أسير إلى صاحبهم الذي هو في الحجاز وأقطع آثاره وأخرب دياره وأهدم مساكنه، وأجعل بلده مسكنًا للوحوش. ثم إن الملعون سار إلى أعلى السور، وهو معصوب العين وصار يحرض الناس لكي يزيل عن قلوبهم الرعب وأقبل يقول لهم: لا تفزعوا ولا تجزعوا مما ظهر لكم من العرب ولابد للصليب أن يرميهم وأنا الضامن لكم. فثبت القوم من قوله وحاربوا حربًا شديدة!
وبعث شرحبيل بن حسنة إلى خالد بن الوليد يخبره بما صنع مع القوم. فقال الرسول: إن عدو الله توما قد ظهر لنا منه ما لم يكن في الحساب ونطلب منك رجالًا لأن الحرب عندنا أكثر من كل باب، فلما سمع خالد ذلك الخبر حمد الله، وقال: كيف أخذتم الصليب من الروم. فقال الرسول: كان يحمل صليب الروم رجل وهو أمام توما صهر الملك فرمته زوجة أبان بنبلة فوقع الصليب إلينا وخرج عدو الله فرمته زوجة أبان بنبلة فاشتبكت في عين توما اليمنى. فقال خالد: إن توما عند الملك معظم وهو الذي يمنعهم عن الصلح ونرجو من الله أن يكفينا شره. ثم قال للرسول: عد إلى شرحبيل وقل له كن حافظًا ما أمرتك به فكل فرقة مشغولة عنك ولم تؤت من قبلهم وأنا بالقرب منك، وهذا ضرار بن الأزور يطوف حول المدينة وكل وقت عندك. فرجع الرسول فأخبره بذلك فصبر وقاتل بقية يومه ووصل الخبر إلى أبي عبيدة بما نزل بشرحبيل بن حسنة من توما وبما غنم من صليبه فسُرَّ بذلك.
ولما أصبح الصباح بعث توما إلى أكابر دمشق وأبطالهم. فلما حضروا بين يديه قال لهم: يا أهل دين النصرانية إنه قد طاف عليكم قوم لا أمان لهم ولا عهد لهم وقد أتوا يسكنون بلادكم فكيف صبركم على ذلك وعلى هتك الحريم وسبي الأولاد وتكون نساؤكم جواري لهم وأولادكم عبيدًا لهم وما وقع الصليب إلا غضبًا عليكم مما أضمرتم لهذا الدين من مصالحة المسلمين وإذلالكم للصليب وأنا قد خرجت ولولا أنِّي أصبت بعيني لما عدت حتى