فهرس الكتاب

الصفحة 74 من 611

وقد فرغنا مما نريد، ثم إن وردان دعا برجل من العرب المتنصرة اسمه داود وكان في سكنه. وقال له: يا داود أنا أعلم أنك فصيح اللسان وإني أريد أن تخرج إلى هؤلاء العرب وتسألهم أن يقطعوا الحرب بيننا وبينهم، وقل لهم لا يخرجون لنا بكرة النهار حتى أخرج بنفسي إليهم منفردًا عن قومي ولعلنا نصطلح مع العرب. فقال داود: ويحك وتخالف أمر الملك هرقل فيما أمرك به من الحرب وتصطلح أنت والعرب فإن الملك ينسبك إلى الجزع والفزع وما كنت بالذي أخاطب العرب في ذلك أبدًا فيبلغ الملك أني كنت السبب في ذلك فيقتلني. فقال له وردان: يا ويلك إنما دبرت حيلة على أمير العرب حتى أصل بها إليه فأقتله وتتفرق هؤلاء العرب عنا ثم إنه حدثه بما عزم عليه من المكر بخالد بن الوليد. فقال لوردان: إن الباغي مخذول في كل فعل، فالق الجمع بالجمع واترك ما عزمت عليه. فقال وردان وقد غضب: ويلك أنت تعاندني فيما أمرتك به دع عنك المحاججة! فقال: حبًا وكرامة، ثم إنه مضى وقال في نفسه: إن وردان قد عزم أن يلحق بولده، ثم أقبل حتى إنه وقف قريبًا من المسلمين ونادى برفيع صوته، وقال: يا معاشر العرب حسبكم من القتل وسفك الدماء فإن الله تعالى يسألكم عن سفكها، وأريد أن يخرج إليَّ أمير العرب حتى أخاطبه بما أرسلت به. قال فما استتم كلامه حتى خرج إليه خالد - رضي الله عنه - وهو كأنه شعلة نار.

فلما نظر إليه داود النصراني قال له: يا عربي على رسلك فما خرجت أحارب ولا أنا من رجال الحرب وما أنا إلا رسول. فلما سمع خالد مقالته قرب منه. وقال: اذكر مسألتك واستعمل الصدق تنج فمن صدق نجا ومن كذب هلك! فقال: صدقت يا عربي، إن أميرنا وردان كاره سفك الدماء، وقد رأى شدتكم ولا يريد حربكم، وقد نظر إلى من قتل من جماعته فكره أن يحاربكم، وقد رأى أن يدفع لكم مالًا ويحقن به دماء الناس لكن بشرط أن يكون بينك وبينه كتاب وتشهد عليك كبراء قومك أنك لا تتعرض له ولا لأحد من أصحابه ولا لحصن من حصونه، فإن فعلت ذلك وثق بقولك وهو يسألك أن تقطع الحرب بقية يومك، فإذا أصبحت فاخرج بنفسك ولا يكن معك أحد ويخرج هو أيضًا منفردًا فننظر ما تتفقان عليه عسى أن تحقنا دماء الناس بيننا وبينكم. فلما سمع خالد ما نطق به داود قال له: إن كان ما أخبر به صاحبكم يريد به حيلة أو مكيدة فنحن والله جرثومة الخداع وما مثلنا يؤتى بحيلة ولا بخديعة، فإن كان ذلك ضميره واعتقاده فما هو إلا قرب أجله وانقطاع عمره وهلاك جموعكم والانفصال بيننا وبينكم، وإن كان ذلك حقًا من قوله فلست أصالحه إلا إذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت