نحو البطريق. فلما رآه أقبل إليه بعدما قتل غلامه وركب جواده أيقن عدو الله بالهلاك وعلم أنه إن ولى قتله بلا محالة، وأن وقف أهلكه. فلما نظر ضرار إلى عدو الله علم ما عنده فهجم عليه إذ نظر إلى الروم وقد خرج منهم كردوس، وذلك أن وردان لما نظر إلى صاحبه وقد أشرف على الموت علم أنه إن لم يدركه هلك، فقال لقومه: يا قوم إن هذا الشيطان قد أكل من كبدي قطعة، وإذا لم أقتله قتلت نفسي ولابد لي من الخروج إليه!
فخرج في عشرة من البطارقة وهم مدرَّعون، وفي أرجلهم أخفاف من الحديد وسواعد من الحديد، وبأيديهم أعمدة من الحديد، ووردان قد لبس لأمته وعلى رأسه تاج عظيم. فخرجوا ووردان أمامهم كأنه شعلة نار، ونظر أصطفان إلى من خرج فصرخ بضرار فلم يلتفت إلى من خرج إليه إلا أنَّه تأهب. فبينما هم كذلك إذ نظر خالد إلى القوم وخروجهم ونظر إلى التاج، وهو يلمع على رأس صاحبهم. فقال: إن التاج لا يكون إلا على رأس الملك ولاشك أنه صاحب القوم قد خرج إلى صاحبنا فما الذي يقعدنا عن نصرته؟ ثم قال لأصحابه: لا يخرج إلا عشرة حتى نساوي القوم. فخرج خالد في عشرة من أصحابه، ووصل الروم إلى ضرار فاستقبلهم بقلب أقوى من الحجر الجلمود، فناداه خالد: أبشر يا ضرار فقد أسعدك الجبار ولا تجزع من الكفار. فقال ضرار - رضي الله عنه: ما أقرب النصر من الله! وجاء خالد ومن معه والتقت الرجال بالرجال وانفرد كل واحد بصاحبه وطلب خالد وردان، ولم يبرح ضرار عن خصمه أصطفان، وقد كلَّ ساعده وارتعدت فرائصه عندما نظر إلى خالد ومن معه، فنظر يمينًا وشمالًا ليطلب الهرب، فعلم ضرار منه ذلك فهجم عليه بسنانه، فلما أيقن بالموت ألقى نفسه إلى الأرض وولى هاربًا، فبادر إليه ضرار وألقى نفسه عن جواده وطلب عدو الله حتى لحقه وتقابضا على وجه الأرض، وكان عدو الله كالصخر الجلمود، وكان ضرار نحيف الجسم غير أن الله تعالى أعطاه قوة الإيمان.
فلما طال بهم العراك ضرب بيده إلى مراق بطنه وقلعه من الأرض بحيلة وجلد به الأرض فصاح عدو الله وجعل يستنجد بوردان وقال بالرومية: أيها السيد انجدني مما أنا فيه فقد هلكت! فصاح وردان: يا ويلك ومن ينقذني أنا من هؤلاء السباع الكاسرة؟! فسمع خالد ذلك فطمع فيه وحمل على وردان، وهَمَّ ضرار بخصمه ونظر إليهما الفريقان، وأقبل ضرار فلم يمهل على خصمه دون أن برك على صدره وذبحه مثل البعير، وكل واحد مشتغل عن نصرة صاحبه. فأخذ ضرار رأس عدو الله وهو ملطخ بالدماء وركب جواده وحملت الروم على المسلمين ونادى سعيد بن زيد: يا معشر الناس اذكروا الوقوف بين يدي الله الملك