بأعلى صوته: أنا الموت الأصفر .. أنا ضرار بن الأزور .. أنا صاحبكم .. أنا قاتل همدان بن وردان .. أنا البلاء المسلط عليكم وعلى من أشرك بالرحمن. فلما سمعت الروم كلامه عرفوه وتقهقروا إلى ورائهم، فطمع فيهم وحمل على أثرهم، فعند ذلك انطبقت عليه الروم. فقال وردان: من هذا البدوي؟ فقالوا: أيها الملك هذا الذي بقي طول عمره عاري الجسد، ومرة برمح ومرة بنبل. فلما سمع ذلك وبذكر ضرار بن الأزور تنفس الصعداء وقال: هذا قاتل ولدي! ولقد اشتهيت من يأخذ منه بثأري وله منى ما يريد. قال: فبرز إليه بطريق وكان صاحب طبرية، وقال لوردان: أنا آخذ لك بالثأر! ثم لوى عنانه وحمل على ضرار فجالا أكثر من ساعة، ثم طعنه ضرار طعنة صادقة خرق بها كبد عدو الله، فتجندل صريعًا، وقال وردان لهم: ما أتى به ولو أتي به عينًا ما صدقته، فإن هذا لا تطيق الإنس أن تقاتله، وأنا ما أرى لهذا غيري، ثم ترجل وغير لأمته، وألقى عليه درعًا، وجعل على رأسه التاج، وركب جوادًا من الخيول العربية وهمَّ أن يخرج إلى ضرار بن الأزور، فتقدم إليه بطريق اسمه"أصطفان"وهو صاحب عمان وباس ركاب وردان وقال: أيها السيد إن آخذ بثأرك من هذا الذميم أو أسرته لك أتزوجني ابنتك؟ فقال له وردان: هي لك وأشهد عليه من حضر من ملوك الشام. فلما سمع أصطفان ذلك خرج كأنه شعلة نار وحمل على ضرار وقال له: ويلك قد نزل بك ما لا قدرة لك به. فلم يدر ضرار ما يقول غير أنه أخذ حذره منه، وقد أخرج أصطفان صليبًا من الذهب، وجعله في عنقه في سلسلة من الفضة، وجعل يقبله ويرفعه على رأسه، فعلم ضرار أنه يستنصر به عليه، فقال ضرار: إن كنت تستنصر عليَّ به فأنا أستنصر بالقريب المجيب الذي هو ممن دعاه قريب! ثم حمل عليه وأريا الناس أبوابًا من الحرب، حتى ضج الناس من قتالهما.
فصاح خالد: يا ابن الأزور ما هذا التكاسل والتغافل والجنة قد فتحت لك والنار قد فتحت لأعدائك؟! وإياك والكسل فإن الله - عز وجل - يعينك. فأيقظ ضرار نفسه وانقض من سرجه وحمل على خصمه، وتصايحت الروم بصاحبها تشجعه، وكلاهما في ضرب عظيم، وقد حميت الشمس، وتعب الجوادان. فأشار البطريق إلى ضرار أن ترجل حتى نتقابل، فهمَّ ضرار أن يترجل شفقة على الجواد، وإذا بصفوف الروم قد خرجت ورجل يقود جنيبًا أمامهم وكان ذلك غلام البطريق، فلما نظر إليه ضرار صاح في جواده وقال له: اجلد معي ساعة وإلا شكوتك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -! فحمحم الجواد وشمر أجنحته جريًا واستقبل ضرار غلام البطريق بطعنة فقتله وأخذ الجنيب فركبه وأطلق جواده نحو عساكر المسلمين فتناولوه وعاد ضرار