أسير إلى قومي وأرغِّبهم فلعل الله أن يهديهم. فقال خالد: وإن رجعت إلى قومك بغير قتال يكون بيني وبينك خفت عليك، ولكن احمل عليَّ حتى لا يتهموك وبعد ذلك اطلب قومك. فحمل بعضهما على بعض، وأرى خالد الفريقين أبوابًا من الحرب حتى أبهر روماس. فقال لخالد: شدِّد عليَّ الحملة حتى يرى الديرجان فإنِّي خائف عليك من بطريق بعث به الملك يقال له الديرجان. فقال خالد: ينصرنا الله عليه، ثم شدَّد على روماس الحملة حتى إنَّه انهزم من بين يديه إلى قومه. فلما وصل إلى قومه قالوا: ما الذي رأيت من العرب؟ قال: إن العرب أجلاد ما لكم بقتالهم طاقة ولا بد لهم أن يملكوا الشام، وما تحت سريري هذا فادخلوا تحت طاعتهم وكونوا مثل أركة والسخنة!
فلما سمعوا كلامه زجروه وأرادوا قتله، وقالوا له: ادخل المدينة والزم قصرك ودعنا لقتال العرب، فانصرف روماس، وقال: لعل الله ينصر خالدًا. ثم إن أهل بصرى ولوا عليهم الديرجان، وقالوا: إذا فرغنا من المسلمين سرنا معك إلى الملك، ونسأله أن ينزع روماس ويوليك علينا. قال الديرجان: وما الذي تريدون؟ قالوا: نحمل ونطلب قتال العرب. فخرج الديرجان وطلب خالدًا.
فقال عبد الرحمن لخالد: يا أمير أنا أخرج إليه. فقال: دونك يا ابن الصديق، فخرج عبد الرحمن وحمل على الديرجان، فما لبثوا غير ساعة، حتى أحس الديرجان من نفسه بالتقصير فولى منهزمًا وراح إلى قومه. فلما رأوا ذلك منه نزل الرعب في قلوبهم وعلم خالد ما عند القوم من الفزع فحمل وحمل عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، وحمل المسلمون. فلما نظر أهل بصرى إلى حملة المسلمين حملوا وتلاقى الفريقان، وضجت الرهبان بكلمة كفرهم. فقال شرحبيل بن حسنة: اللهم إن هؤلاء الأنجاس يبتهلون بكلمة كفرهم ويدعون معك إلها آخر لا إله إلا أنت ونحن نبتهل إليك بلا إله إلا أنت، وأن محمدًا عبدك ورسولك، إلا ما نصرت هذا الدين على أعدائك المشركين، ثم حملوا حملة واحدة، فلم يكن للروم ثبات مع العرب، فولى المشركون الأدبار، وركنوا إلى الفرار. فلما حطوا داخل المدينة أغلقوا الأبواب وتحصنوا بالأسوار، ورفعوا الصلبان، وعوَّلوا أن يكتبوا للملك ليمدهم بالخيل والرجال. قال عبد الله بن رافع: فلما تحصنوا رجعنا عنهم وافتقدنا أصحابنا فوجدنا قد قتل منا مائة وثلاثون فارسًا، وقتل من الأعيان بدريان. وغنم المسلمون الأموال، وصلى خالد على الشهداء، وأمر بدفنهم. فلما كان الليل تولى الحرس عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ومعمر بن راشد ومائة من جيش الزحف. فبينما هم يدورون حول العسكر، وإذا بروماس