المطلب الأول: التكرار اللازم [1] :
يحتاج تكرار اللازمة إلي مهارة ودقة بحيث يدرك الشاعر أين يضعه فيجيء في مكانه اللائق، ويضفي عليه الشاعر بصمته فيبعث الحياة في الكلمات، والتكرار رغم سهولته وقدرته على ملء البيت وإحداث موسيقي ظاهرية، إلا أنّه يستطيع أن يضلل الشاعر ويوقعه في مزلق تعبيري.
لقد استخدم الشاعر تكرار اللازمة في شعره بشكل ثابت مستقر، شأنه في ذلك شأن حالته النفسية والاجتماعية والتأملية، فبدت اللازمة عنده بين تكرار الكلمة وتكرار الجملة الشعرية، متفاوتة في عدد مرات التكرار، مع إحداث تغيير طفيف في هذه القوالب.
لقد أخذ تكرار اللازمة عند الشاعر شكلين:
أ - تكرار اللازمة غير الممتدة في القصيدة، فتكون من كلمتين وتتكرر داخل القصيدة بشكل رأسي.
ب - تكرار اللازمة الطويلة التي تتشكل من سياقات لغوية ممتدة ذات صدي أوسع وانتشار أكثر لكثرة ألفاظها وإيقاعاتها.
مثال النمط الأول يقول الشاعر في داليته التي عارض بها دالية النابغة الذبياني وهي في بحر البسيط:
يا عين ويحك من همع ومن رمد ... ومن سكوب وتهتان ومن سهد
كم مارس العلم حتى صار منفردا ... لا فخر ساواه لا كلا ولا الأزدي
كم مارس النحو حتى صار منفردا ... من سيبويه من الفراء من الأسد
وفي البيان أديب لا يماثله من ... كان كالنجم بل من كان كالعضد
وفي الكلام أريب لايماثله ... مثل السنوسي الطيب الرهم العتد
(1) يعمل تكرار اللازمة علي ربط أجزاء القصيدة وتماسكها ضمن دائرة إيقاعية واحدة، وكأنها قالب فني متكامل في نسق شعري متناسق، يجعل القارئ لها يحس بأنها وحدة بنائية واحدة ووحدة موسيقية ذات إيقاع واحد، يكشف هذا التكرار عن إمكانيات تعبيرية وطاقات فنية تغني المعني وتجعله أصيلا إذا استطاع الشاعر أن يسيطر عليه وأن يجيء به في موضعه، بحيث يؤدي خدمة فنية ثابتة علي مستوي النص تعتمد بشكل أساسي علي الصدي أو الترديد لما يريد الشاعر أن يؤكد عليه أو يكشف عنه بشكل يبتعد به عن النمطية الأسلوبية.