الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه الغرّ الميامين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد، فإنّ البلاغة العربية بصفة عامة مع اختلاف علومها وفنونها، هي أحد علوم العربية، وهي تلكم العلوم التي كانت تهتم بصون اللسان والقلم عن الخطأ في الأداء فهما وإفهاما، وهذا الفرع العلمي الذي انبثق وتأسس وتطوّر وصار علما قائما بنفسه منذ القرون الثمانية من الهجرة في مصنفات ومؤلفات ورسائل خاصة بها، أو متناثرة ومبعثرة في بطون الكتب والمراجع في أثناء علوم أخرى، وذلك على يد رجال أفنوا حياتهم ووصلوا الليل بالنهار، وبذلوا النفس والنفيس، وتناسوا ملذات الحياة خدمة للكتاب الذي لايأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وخدمة لمثله الذي جاء في أقوال وأفعال وتقريرات من كان أفصح الخلق إطلاقا.
يعد التكرار ظاهرة من الظواهر البلاغية الأسلوبية التي تستخدم لفهم النص الأدبي، وقد درسها البلاغيون العرب وتنبهوا إليها عند دراستهم لكثير من الشواهد الشعرية والنثرية وبيّنوا وظائفها وفوائدها، كما أنّ دراستهم للنص القرآني والبحث في إعجازه، قد دفعتهم إلى البحث في مثل هذه الظواهر، وخصوصا أنه وردت في القرآن الكريم نماذج هائلة من التكرار، قام على دراستهم وتفسيرها بعض البلاغيين، فحاولوا تفسير هذه الظواهر وبيان دلالتها ضمن السياق القرآني [1] .
ومن هنا جاء اهتمام الباحث بدراسة هذه الظاهرة في شعر الشيخ محمد الناصر بن محمد المختار الكانوي النيجيري، محاولة لكشف واستكشاف هذه القوالب الفنية لبيان أبعادها ودلالاتها على اختلاف مواقعها سواء أكانت هذه الظاهرة في الكلمة، أو العبارة، أو الجملة، أوالحرف، والمقطع، في بداية البيت أو وسطه أونهايته على سبيل المثال.
بلاغة التكرار في شعر الشيخ محمد الناصر، هذه الظاهرة التي بدت واضحة في كثير من قصائده، التي ترتبط -إلى حد كبير- ارتباطا وثيقا بالشاعر وبناء حياته العقلية والاجتماعية وتأملاته الصوفية، إذ يقوم التكرار على جملة من الاختيارات الأسلوبية لمادة دون أخرى، وكذلك الصياغة اللغوية لمفردة
(1) : ابن قتيبة، أبو محمد، عبدالله بن عبد المجيد بن مسلم الدينوري، تأويل مشكل القرآن، تحقيق د. إبراهيم شمس الدين، ط 3، دار العلمية بيروت -لبنان-،ص: 149 - 152.