المعرفةُ ثِقافًا لها واللسان لا يكون أبرأَ ذاهبًا في طريق البيان متصرفًا في الألفاظ إلاّ بعد أن تكونَ المعرفةُ متخلِّلَةً به منقّلة له واضعةً له في مواضع حقوقِه وعلى أماكن حظوظِه وهو علَّةٌ له في الأماكن العميقة ومصرِّفةٌ له في المواضع المختلفة .
فأوَّلُ ما صنع الخِصاءُ بالصَّقْلَبِيِّ تزكيةُ عقلهِ وإرهافُ حدِّه وشحْذُ طبعِه وتحريكُ نفسه فلما عرَف كانت حركته تابعةً لمعرفته وقوَّته على قدر ما هيّجه .
فأمَّا نساءُ الصقالبة وصبيانهم فليس إلى تحويل طبائعهم ونقْل خَلْقهم إلى الفطنة الثاقبة وإلى الحرَكَة الموزونة وإلى الخدمة الثابتة الواقعة بالموافقة سبيلٌ وعلى حسَب الجهْل يكون الخُرْق وعلى حسب المعرفة يكون الحِذق وهذا جملةُ القول في نسائهم وعلى أنّهنَّ لا حظوظَ لهنَّ عند الخلوة ولا نفاذَ لهنَّ في صناعة إذ كنَّ قد مُنِعن فهمَ المعاطاة ومعرفةَ المناولة .
والخِصيانُ معَ جودة آلاتهم ووَفَارة طبائعهم في معرفةِ أبوابِ الخِدْمة وفي استواءِ حالهم في باب المعاطاة لم تر أحدًا منهم قطُّ نفَذَ في صناعةِ تنُسب إلى بعضِ المشقَّة وتضافُ إلى شيءٍ من الحكمة ممَّا يُعرَف ببُعْد الرَّوِيَّةً والغوصِ بإدامة الفكرة إلا ما ذكرُوا من نَفَاذ ثقف في التحريك للأوتار فإنَّه كانَ في ذلك مقدَّمًا وبه مذكورًا