وقد عرف الأصوليون من الشافعية"النهي"، كما روى عنهم الشيرازي، بـ"أنه استدعاء الترك بالقول ممن هو دونه على سبيل الوجوب [1] ، واختلفوا في دلالة صيغته، هل تقتضي التحريم أم الكراهة؟ فقد ذهب عموم الأشاعرة إلى الثاني [2] ، ما لم ترد قرينة تؤيد ذلك [3] ، واختار الأصوليون الشافعية الرأي الأول، كما هو واضح من تعريف الشيرازي الآنف الذكر، و"الحرام"و"المكروه"، في تصورنا وحسب فهمنا لكتبهم، يندرجان ضمن فعل كلامي آخر نسميه"المنع"- وقد عبر بهذا المصطلح بعض علمائنا وفلاسفتنا القدامى كالفارابي [4] ، وهو في رأينا أشمل وأعم من النهي طالما أن هذا الأخير يعتبر عند بعضهم غير دال على التحريم بالضرورة، اعني غير جازم في التحريم."
درجة الشدة في"الممنوعات": ويقع"المنهي عنه"- الذي يحتويه مصطلح"الممنوع"- في علاقة تضاد مع"المأمور به"، وفي علاقة تنافر مع"المباح"، بحسب الرسم البياني السابق الذي يوضح كيف تتدرج الأحكام الفقهية تبعا لتعالق الأفعال الكلامية ضمن تدرج منطقي محكم، ومع أن"التحريم"ليس من"الإذن"فقد أثبتناه هنالك لعلاقته بالإذن علاقة"تضاد"أو"تنافر"بحسب درجات"التحريم"ودرجات"الإباحة"، كما قلنا في الفقرة أعلاه.
-وما دام"الممنوع"منقسما إلى ممنوع منعا جازما وغير جازم، فقد انبثق عنه"فعلان كلاميان"، يعبر عنهما بمصطلحات الفقهاء بـ"الكراهة أو"
(1) . شرح اللمع، مج 2، ص 291.
(2) . أبو إسحاق الشاطبي، الموافقات في أصول الشريعة، مج 2، ص 291.
(3) . نفس المصدر، مج 2، ص 291.
(4) . انظر: كتاب الحروف، ص 162/ 163.